عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

155

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

بحيث لا يخلو لسانه وقلبه من الذكر ومعناه حتى يتجوهر القلب بجوهر الذكر ويرتفع حجب الاثنينية بين الذاكر والمذكور مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) [ الرحمن : 19 ، 20 ] . ثم اعلم أن الذريعة إلى وصول المقاصد في المقامات كلها هي الخلوة والعزلة والانقطاع عن الخلق . فصل في الخلوة قال اللّه تعالى : وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [ البقرة : 51 ] وقال لنبيه وحبيبه وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [ المزمّل : 8 ] أي انقطع إليه في العبادة وإخلاص النية انقطاعا يختص به وإلى هذا المعنى أشار بقوله عز وجل : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] » وعن عائشة - رضي اللّه عنها - أنها قالت : « أول ما بدىء به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من الوحي : الرؤيا الصالحة في النوم . وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو تعبد الليالي ذوات عدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء » « 1 » . الحديث . اعلم أن الخلوة من موجبات السلوة وهي على نوعين : خلوة الاعتزال عن الخلق وخلوة الأربعينة مع الحق . فأما خلوة الاعتزال عن الخلق : فالجليس الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من الجليس السوء ، قاله رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن من خير معايش الناس لهم رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه أن يسمع قرعة أو هيعة كان على متن فرسه يبتغي الموت أو القتل في مظانه ، أو رجل في غنيمة له رأس سعفة من هذه السعاف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير » « 2 » وقد قيل : العزلة من أمارات الوصلة . وقال الجنيد : من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس فإن هذا زمان وحشة والعاقل من اختار فيه الوحدة . وقال أبو يعقوب السوسي : الانفراد لا يقوى عليه إلا الأقوياء ولأمثالنا الاجتماع

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب بدء الوحي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حديث رقم ( 252 - 160 ) . ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب التفسير ، باب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حديث رقم ( 4953 ) . ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه ابن ماجة في سننه ، كتاب الفتن ، باب العزلة ، حديث رقم ( 3977 ) .