عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
156
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
أوفق ، يعمل بعضهم على رؤية بعض . وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » « 1 » . فالضابط لمثل هذه العزلة والخلوة أنه لو وجد صحبة من يعاونه على الدين ويرافقه في العبودية أن ينتفع به ويعتزل عن غير أهل الصحبة وإن لم يجد فالوحدة له خير من الجليس السوء . وأما خلوة الأربعينية مع الحق : فله شرائط وآداب . سنورد شرائطها كما أوردها شيخنا « السعيد الشهيد الرباني صفوة اللّه أبو سعيد شرف بن المؤيد البغدادي ، - رضي اللّه عنه - ، وقدس روحه في الباب الخامس من كتاب « تحفة البررة » الموسوم به تبركا بأنفاسه الشريفة ، وتيمنا بألفاظه اللطيفة ، قال - رضي اللّه عنه - : العزلة الخلوة من لوازم هذه الطريقة في أوائل ظهور أنوار الإرادة وتباشير صبح السعادة وعنوان الطلب . روت عائشة - رضي اللّه عنها - عن بدء الوحي للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقالت في حديثها : « حبب إليه الخلاء وكان يتحنث إلى غار حراء أسبوعا وأسبوعين « 2 » . و روى جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في بيان أول ما نزل عليه من القرآن قال : « جاورت بحراء فلما قضيت جواري فاستنبطت الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئا ، فنوديت فنظرت فوقي ، فإذا أنا به قاعد على عرش بين السماء والأرض قال : فخشيت منه ، فانطلقت إلى خديجة فقلت : « دثروني . . فدثروني وصبوا علي ماء باردا . فأنزلت عليّ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) [ المدثر : 1 - 3 ] » « 3 » فسر الطلب كان مستورا في النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في ابتداء الأمر حتى أمكنه الاشتغال بغير هذا الأمر ، فكان أجير « خديجة » ثم التمس تزويجها فنكحها ، وكان ذلك قصارى همه وهمته في ذلك الوقت إلى أن أظهر اللّه تعالى في قلبه سر طلب الحق فرغب عن مخالطة الأغيار ، واستبشع
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة في سننه ، كتاب الفتن ، باب الصبر على البلاء ، حديث رقم ( 4032 ) ورواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب فضل المؤمن القوي . . . ، حديث رقم ( 19961 ) . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 3 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب بدء الوحي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حديث رقم ( 255 - 161 ) . ورواه البخاري ، كتاب بدء الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حديث رقم ( 4 ) . ورواه غيرهما .