عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
150
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
والوفاء والحياء والشوق وأصناف العبودية كما أنشدوا : كان رقيبا منك يرعى خواطري * وآخر يرعى ناظري ولساني فما رمقت عيناي بعدك منظرا * يسؤك إلا قلت قد رمقاني ولا بدرت من في دونك لفظة * بغيرك إلا قلت قد سمعاني ولا خطرت في السر بعدك خطرة * لغيرك إلا عرجا بعناني وإخوان صدق قد سمعت حديثهم * فأمسكت عنهم ناظري ولساني وقيل قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » إشارة إلى حال المراقبة ؛ لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه وتعالى عليه واستدامة هذا العلم مراقبة لربه عز وجل وهذا أصل لكل خير ولا يكاد يصل إلى هذه المراقبة إلا بعد فراغه من المحاسبة . فصل في المحاسبة فالعبد إذا حاسب نفسه على ما سلف وأصلح حاله في الوقت فلازم طريق الحق أحس بينه وبين اللّه عز وجل مراعاة القلب وحفظ مع اللّه الأنفاس ، وراقب اللّه تعالى في عموم أحواله ، فيعلم أنه سبحان عليه رقيب ومن قلبه قريب ، يعلم أحواله ، ويرى أفعاله ، ويسمع أقواله ، ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة . وقال الجويري : من لم يحكم بينه وبين اللّه تعالى بالتقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة ومن أعلى مراتب المراقبة الحياء ، فإن الحياء من الإيمان والإيمان من نور الجمال ، فمن كان رقيبه نور الجمال كان محفوظا من سطوات الجلال إلى أن يبلغه إلى أعلى مراتب الوصول والوصال . ثم اعلم أنه لا مبلغ للسالك إلى هذه المسالك ولا منجي له من هذه المهالك مثل حسن الخلق . فصل في الخلق قال اللّه تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) [ القلم : 4 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « حين سئل : أي المؤمنين أحسنهم إيمانا ؟ قال : « أحسنهم خلقا » « 2 » .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) رواه أحمد في المسند عن أبي هريرة بلفظ : « أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهن خلقا وخياركم خياركم لنسائكم » حديث رقم ( 10118 ) [ ج 2 ص 621 ] طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .