عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
151
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
اعلم أن الخلق صورة الروح ، كما أن الخلق صورة القالب ، وأن اللّه قدر بكمال حكمته لكل شخص خلقا وخلقا كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن اللّه فرغ من الخلق والخلق والرزق والأجل ، وكما جعل الأشباح قوالب الأرواح جعل الصورة قوالب الأخلاق ، فمن حسنت صورته غالبا حسن خلقه ، فكان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من أحسن الناس خلقا وخلقا » وكما أنه تعالى جعل الصورة قوالب الأخلاق جعل الأخلاق قوالب الإيمان ، كما سئل النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : أي المؤمنين أحسنهم إيمانا ؟ قال : « أحسنهم إيمانا أحسنهم خلقا » « 1 » فاستقامة الأخلاق في استقامة الإيمان واستقامة الإيمان في استقامة القلب كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه » « 2 » . والقلب المستقيم هو السليم من الأمراض والعلل والآفات والتعلقات فإذا صقلت مرآة القلب عن صدأ تعلقات الكونين وتنورت بنور الذكر وتواترت عليها شواهد التجليات انعكس تلألؤها على الأخلاق فتحسنها بحسب قوة التلألؤ والشواهد فمن تجلى له الرب تبارك وتعالى بجميع صفاته ، صار متخلقا بأخلاق الحق ومن تجلى له بأخلاقه يفني كينونيته ويبقيه بكينونيته تعالى ، كما قال : كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا الحديث ، ومن تجلى له الرب تعالى بذاته وصفاته لم يبق له وجودا ولا خلقا ، فإن الخلق تبع للوجود فيكون خلقه خلق الحق كما كان حال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ، كان خلقه القرآن والقرآن هو خلق اللّه وصفته ، فلما كان على خلق اللّه كان على خلق عظيم ، كما قال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) [ القلم : 4 ] ومن علامة عظم خلقه - صلى اللّه عليه وسلم - : أنه كسرت رباعيته وشج وجهه وهو يقول : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » . ثم اعلم أن كمالية الخلق الحسن والعبور على المقامات كلها وحصول الأحوال السنية ، إنما يتيسر بملازمة الذكر ، ورعاية حقوقه . فصل في الذكر قال اللّه تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] وقال : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الأنفال : 45 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأذكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ؛ وأن
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) رواه أحمد في المسند عن أنس بن مالك ، حديث رقم ( 13071 ) [ ج 3 ص 198 ] ورواه الشهاب في مسنده ، حديث رقم ( 887 ) [ ج 2 ص 62 ] .