عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
136
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
منشأ صورة القلب التي هي المضغة فهي الذرة التي استخرجها اللّه من ظهر آدم يوم الميثاق . وأما منشأ روحه الذي هو حي به ، فهو الذي استفادت الذرة عند استماع خطاب ألست بربكم من الفيض الإلهي ، فكما أن تلك الذرة المستخرجة صارت بذر شجرة القالب وثمرة القلب ، كذلك صار ذلك الفيض المستفاد من الفيض الإلهي بذر شجرة روح القلب وثمرة روح روحه وهو الذي أخبر اللّه عنه بقوله : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ المجادلة : 22 ] وهو الإيمان الفطري عند خطاب ألست بربكم كتبه بقلم توفيق الإقرار بربوبيته إذ قالوا : بلى وأيدهم بروح منه وهو ثمرة شجرة الإيمان الكسبي ، إذا آمنوا وعملوا الصالحات فلما أيدت شجرة روح القلب فأثمرت بروح منه استعدت للتوصيل من الشجرة الطيبة التي هي الكلمة الطيبة وهي كلمة لا إله إلا اللّه ، فتثمر ثمرة الوحدة ، كما أثمرت لقائل : « سبحاني ما أعظم شاني » . وهذا تحقيق قوله تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 ) ، يعني يوم الرجوع إلى الحضرة لا ينفعه للوصول إلى الحضرة المال الذي هو المكتسب من أفعاله ولا البنون الذين هم مكتسبون من ذاته إلا أن يأتي إلى اللّه بقلب مستفيض سليم من آفات تعلق الكونين ، ذي سلامة من انحراف المزاج القابل للفيض الإلهي بلا واسطة ، وإنما سمي القلب قلبا لأنه سريع التقلب بتقليب مقلب القلوب كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء » « 1 » ولأنه خلق في قلب عالم الغيب والشهادة ، وهما الروح والجسد ، وقد يتولد القلب من ازدواجهما ، فصورته متصلة بالجسد وروحه متصله بالروح ، وقد عبر - صلى اللّه عليه وسلم - عن عالم الغيب والشهادة بالإصبعين لأنهما صورتا صفتي لطف اللّه تعالى وقهره قوله : « فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه » « 2 » فإن شاء أقامه باستيلاء صفات الروحانية عليه إقامة متوجهة إلى حضرة العزة ، وإن شاء أزاغه ، أي بغلبات صفات الحيوانية عليه أزاغه معرضا عن الحق متوجها إلى الدنيا وشهواتها واستيفاء لذاتها وطلب جاهها فإن من سننه تعالى قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] فلا يزيغ القلب إلا بعد أن يزيغ العبد أعماله الجسدانية ، كما قال تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصّف : 5 ] أي زاغوا بإيذاء رسول اللّه أزاغ اللّه قلوبهم عن الإيمان ، فكذلك إقامة القلوب إنما يكون بإقامة شرائط العبودية في تصفية
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .