عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
137
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
القلب وتنقيته ، وتربيته في الترقي إلى مقامات مخصوصة به كما سيجيء شرحه إن شاء اللّه وحده . الفصل الثاني في مقامات القلب اعلم أن للقلب أوصافا ، خلقه اللّه تعالى عليها بالقوة ومقاماته سيره في أطواره المختلفة على قانون استخراج تلك الأوصاف من القوة إلى الفعل وله صحة ومرض ، كما قال تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : 10 ] فمرضه بانحراف مزاجه عن تلك الأوصاف الجبلية واعتلاله بعوارض الأوصاف النفسانية العارضة له عنه وسلامته عن آفاتها وخصائصها واستقامته على أوصافها التي هو مجبول عليها بعد استخراجها من القوة إلى الفعل بالسير والعبور على مقاماته ، فنحن نذكر في هذا الفصل مقاماته المختصة به وطريق العبور عليها على سبيل الإيجاز والاختصار إن شاء اللّه تعالى على الترتيب ، فاعلم أن أول مقام القلب الذي هو صفته المجبولة عليه : فصل في الزهد وهو عدم الالتفات إلى الدنيا بحذافيرها مالها وجاهها وشهواتها وزينتها وزخارفها . رغبة في الآخرة ونعيمها الباقية . كما قال تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً [ القصص : 83 ] وهذا أول مرتبته في الزهد التي جبل عليها وهذا النوع من الزهد كالبذر في أرض القلب . فبالتربية بماء الشريعة وآداب دهقنة « 1 » الطريقة تنبت منه شجرة الزهد فيما يشغله عن اللّه ، وتثمر ثمرة الزهد فيما سوى اللّه ، فالزهد رأس مال السائرين إلى اللّه تعالى ولهم في كل مقام ربح منه إلى ما لا نهاية له ، كما قال ذو النون : من علامة الزهد المشروح صدره ثلاث : تفريق المجموع ، وترك طلب المقصود ، والإيثار عند القوت . قلت : وصحة الزهد بالورع ، والتوكل ، والتقوى ، والصدق . فصل في الورع اعلم أن الورع : ترك الشبهات ، قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من حسن إسلام المرء
--> ( 1 ) التّدهقن : التّكيّس . والدّهقان والدّهقان : التاجر ، فارسي معرّب ، وهم الدّهاقنة والدّهاقين . والدّهقان والدّهقان : القوي على التصرف مع جدّة ، والأنثى دهقانة ، والاسم الدّهقنة . ( لسان اللسان ، تهذيب لسان العرب ، مادة [ دهقن ] ) .