عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
124
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره . وقال سهل بن عبد اللّه : لما خلق اللّه الدنيا جعل في الشبع المعصية والجهل وجعل في الجوع العلم والحكمة . وقيل : من أدب الجوع أن لا ينقص من عادته كل يوم إلا مثل أذن السنور . وقد بالغ بعضهم في الجوع حتى كان سهل بن عبد اللّه لا يأكل الطعام إلا في كل خمسة عشر يوما . فإذا دخل شهر رمضان لم يأكل حتى يرى الهلال وكان يفطر كل ليلة على الماء القراح . وروى عن أبي تراب النخشبي وغيره أنهم بالغوا في الإمساك عن الأكل من ثلاثين إلى أربعين يوما . وأقل وأكثر . قلت : هذا وإن كان مستحسنا عند القوم ولكنه ليس بمقصود أصلي ولعل يتولد من الإفراط فيه آفات مخلة بالمقصود الأصلي وإنما المقصود من التقليل كسر النفس وتقوية القلب وتبييضه . فإن الجوع يذيب شحم القلب ويقلل دمه فيبيض ويرق ويصفو فيستعد بصفائه لقبول نور الذكر وأنوار المعاملات الشرعية والواردات الغيبية ثم تنعكس الأنوار من مرآة القلب إلى أرض النفس . فأشرقت الأرض بنور ربها وتلاشت ظلمات صفات النفس وانشق صدف ظلمة الشهوة عن درة المحبة فإن الشهوة مطية المحبة وهي المطلوب من الإنسان وبها فاق على الملائكة المقربين وسجدوا له . فافهم جدا . فالإمساك المحمود عن الطعام ما يكون محميا عن طرفي الإفراط والتفريط . كما قال تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ الأعراف : 31 ] فالمحمي من الإسراف نصف رطل إلى رطل كل يوم أو قريب من هذا ، فيزيد وينقص منه كل طائفة على قدر قوتهم وصحة مزاجهم ، وعلى هذا المعنى مبني أمر صومهم فمنهم من يسرد الصوم ومنهم من يصوم يوما ويفطر يوما وهو أفضل الصيام . قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « أفضل الصيام صوم أخي داود - عليه السلام - كان يصوم يوما ويفطر يوما » « 1 » وهو اختيار النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « أجوع يوما وأشبع يوما » « 2 » وهو لاستجماع الصبر والشكر . ومنهم من يصوم يوما ويفطر يومين . ومنهم من يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وهو سنة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - . ومنهم من يصوم أيام البيض أو في كل شهر ثلاثة أيام .
--> ( 1 و 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الصيام ، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر . . . ، حديث رقم ( 196 - 1162 ) . ورواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب الصوم ، باب ما جاء في سرد الصوم ، حديث رقم ( 770 ) ورواه غيرهما .