عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

123

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « دعا اللّه جبريل فأرسله إلى الجنة ، فقال : انظر إليها وما أعددت لأهلها فيها ، فرجع إليه فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، قال : فحجبت بالمكاره ، فقال له : ارجع فانظر إليها ، فرجع إليه فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ، ثم أرسله إلى النار ، فقال : اذهب فانظر إليها وما أعددت لأهلها فيها فرجع إليه فقال : وعزتك لا يدخلها أحد يسمع بها ، قال : فحجبت بالشهوات . ثم قال له : عد إليها فانظر ، فرجع إليه فقال : وعزتك لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها » « 1 » . اعلم أن الشهوة مادة كل فتنة ومنبع كل فساد . وهي بذر شجرة الحيوانية وثمرتها وهي حب حبائل الشيطان وهي الدركة السفلى من صفات البشرية فما تحتها دركة تكون دركة منزل الروح الإنساني من بدء عبوره من أعلى عليين القرب على العرش والأفلاك والأنجم والسماوات والأرضين ، وعلى مفردات العناصر والمركبات والمعادن والنباتات والحيوانات إلى أن تعلق بالنطفة في الرحم فمر بها إلى أن بلغ المولود حد البلوغ فهو في العبور من دركات صفات القالب إلى دركة الشهوة وهي أسفل السافلين ، فليس وراء عبّادان قرية فيبقى فيها محبوسا مقيدا بقيود الحواس والقوى والأوصاف إلى أن تداركته العناية الأزلية بجذبه ارْجِعِي [ الفجر : 28 ] في الباطن ودعوة الأنبياء وتكاليف الشرع في الظاهر فيرجع بالإيمان والعمل الصالح من أسفل سافلين دركة الشهوة متوجها إلى الحضرة بقدمي العفة وقلع مواد الشهوة بالجوع وترك الملاذ والشهوات وملازمة الذكر ، فالجوع أحد أركان المجاهدة ، وأن أرباب السلوك تدرجوا إلى اعتياد الجوع والإمساك عن الأكل فوجدوا ينابيع الحكمة في الجوع . وقال بعضهم : جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الجوع . وجعل الشر كله في بيت وجعل مفتاحه الشبع . وفي الجوع اختصاص بالمشاهدة . روى عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : أوحى اللّه تعالى إلى عيسى - عليه السلام - فقال : يا عيسى تجوع تراني . تجرد تصل إلي » « 2 » وقال « يحيى بن معاذ » : لو كان الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة

--> ( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب صفة الجنة . باب : ما جاء حفت الجنة بالمكاره . . . ، حديث رقم ( 2560 ) . ورواه أبو داود في سننه ، كتاب السنة ، باب في خلق الجنة والنار ، حديث رقم ( 4744 ) ورواه غيرهما . ( 2 ) أورده الألوسي في تفسيره ، عند تفسير قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ .