عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
12
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
العوالم المختلفة كلها ، كما سمى اللّه تعالى عيسى - عليه السلام - بالكلمة فقال : روح اللّه وكلمته « 1 » ، وكان بهذا الاعتبار كل نبي كلمة ، وكان نبينا - صلى اللّه عليه وسلّم - هو الكتاب كله ، وقد كشف القناع عن هذا السر بقوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « لما خلق اللّه القلم قال له اكتب ، قال وما أكتب قال : اكتب لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه » « 2 » يشير به إلى أنه لا مكون للمكونات إلا اللّه سبحانه وتعالى لأنه كونها بفيض جوده ، ولا وجود للمكونات إلا بمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - لأنه برسالته إلى المكونات ، استفاض من الفيض الأول ، وأفاض عليهم فتكونوا برسالته كما تتكون الحروف والكلمات برسالة القلم المستفيض من المواد ، وتبليغه إلى المصحف وقد صرح النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بتحقيق هذا المعنى في حديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري - رضي اللّه عنه - قال : سألت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - عن أول شيء خلق اللّه ، قال : « هو نور نبيك يا جابر ، خلقه ثم خلق منه كل خير ، وخلق بعده كل شيء وحين خلقه أقامه قدامه في مقام القرب اثنتي عشرة ألف سنة ، ثم جعله أربعة أقسام فخلق العرش من قسم ، والكرسي من قسم وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم ، وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثنتي عشرة ألف سنة . ثم جعله أربعة أقسام ، فخلق القلم من قسم واللوح من قسم والجنة من قسم وأقام القسم الرابع في مقام الخوف اثنتي عشرة ألف سنة ، ثم جعله أربعة أجزاء فخلق الملائكة من جزء ، وخلق الشمس من جزء وخلق القمر والكواكب من جزء ، وأقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثنتي عشرة ألف سنة ، ثم جعله أربعة أجزاء . فخلق العقل من جزء وخلق العلم والحلم من جزء والعصمة والتوفيق من جزء ، وأقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثنتي عشرة ألف سنة ثم نظر اللّه إليه فترشح النور عرقا فقطرت منه مائة ألف وعشرين ألفا وأربعة آلاف قطرة من النور ، فخلق اللّه تعالى من كل قطرة روح نبي أو رسول ثم تنفست أرواح الأنبياء - عليهم السلام - فخلق اللّه تعالى من أنفاسهم نور الأولياء والسعداء والشهداء والمطيعين من المؤمنين إلى يوم القيامة ، فالعرش والكرسي من نوري والكوربيون من نوري والروحانيون من الملائكة من نوري وملائكة السماوات السبع من نوري والجنة وما فيها من النعيم من نوري والشمس والقمر والكواكب من نوري والعقل والعلم والتوفيق من نوري وأرواح الرسل والأنبياء من نوري والشهداء والسعداء من نتائج نوري ، ثم خلق اللّه اثني عشر حجابا فأقام النور وهو الجزء الرابع في كل حجاب ألف سنة وهي مقامات المعبودية وهي حجاب الكرامة والسعادة والهيبة
--> ( 1 ) يشير إلى قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ( النساء : الآية 171 ) . ( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 823 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت .