عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
13
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
والرحمة والرأفة والعلم والحلم والوقار والسكينة والصبر والصدق واليقين فعبد اللّه به ذلك النور في كل حجاب ألف سنة ، فلما خرج النور من الحجب ركبه اللّه تعالى في الأرض فكان يضيء منها ما بين المشرق والمغرب كالسراج في الليل المظلم . ثم خلق اللّه آدم من الأرض وركب فيه النور في جبينه ، ثم انتقل منه إلى شيث وكان ينتقل من طاهر إلى طيب ومن طيب إلى طاهر إلى أن أوصله إلى صلب عبد اللّه بن عبد المطلب ومنه إلى رحم أمي آمنة ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة اللّه للعالمين وقائد الغر المحجلين ، هكذا كان بدء خلق نبيك يا جابر » « 1 » . فثبت أن المكونات تكونت بإضافة فيض نور النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - الذي هو مستفيض من الفيض الأول فكان مثل روحه - صلى اللّه عليه وسلّم - مع المكونات مثل البذر مع الشجر فإن أصلها وفرعها وجذعها وأوراقها وثمراتها متفرعات ونتائج من البذور فيصح عن الزارع ، لو قال للبذور لولاك لما زرعت الشجرة كما قال تعالى لنبيه - صلى اللّه عليه وسلّم - لولاك لما خلقت الكون . ثم اعلم أنه كما أن للبذر لطافة مودعة فيه بالحكمة البالغة لقبول تعلق النفس النامية التي هي من عالم الملك وله مكان من جنسه ليستقر فيه ولا بد له من مادة ليستمد منها المدد لاستكمال الشجرة ، وهي الأرض فكذلك كان لروح محمد - صلى اللّه عليه وسلّم - لطافة مودعة فيه لقبول تعلق الفيض الإلهي به وهو غير جنس روحه وله مكان من جنسه ليستقر فيه ، وهو الوجود الروحاني ولا بد له من مادة يستمد منها لاستكمال شجرة المكونات وهي الفيض الأول أعني أمر كن فإنه يمده إلى الأبد ، ثم نقول : الأمر بالنسبة إلى الآمر هو الفيض الأول وبالنسبة إلى المأمورات فهو المفيض وأول فيضه الروح كما قال اللّه تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] فبهذه النسبة فالروح هو الفيض الأول ومنه ينشأ عالم الأرواح بأسره فروح النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - بهذا الاعتبار آدم الأرواح وأبوها كما كان - عليه السلام - آدم الأشباح وأباها . فصل : [ في انقسام المكونات بالروحانيات والجسمانيات ] ثم اعلم أن أقسام المكونات تنقسم إلى قسمين : روحانيات وجسمانيات ، وقد تسمى بالغيب والشهادة ، وتارة تسمى بالعلويات والسفليات ، وأخرى تسمى بالدنيا والعقبى والآخرة والأولى ، ومرة تسمى بالملك والملكوت فالملك ما يظهر من الكون وتدركه الحواس الخمس وهو قابل للقسمة والتجزىء والملكوت ما بطن من الكون ولا تدركه الحواس الخمس ، ولا يقبل القسمة
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .