عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

116

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

عقابه فيهابه ويتحقق أن بطشه للمجرمين شديد وعقوبته للمتمردين عظيمة . فيصغر نفسه عند نفسه باللوم لمعرفة قدرها ويتواضع للّه بالعجز لمعرفة قدره خائفا من عذابه راجيا لثوابه . كما قال تعالى يدعون ربهم خوفا وطمعا فيبدل اللّه سيئة كبرها بحسنة تواضعها ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - « من تواضع للّه رفعه اللّه » « 1 » . وكان من تواضع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أنه يعلف البعير ، ويقم البيت ويخصف النعل ، ويرقع الثوب ويحلب الشاة ، ويأكل مع الخادم ويطحن معه إذا أعيا وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى أهله ، وكان يصافح الغني والفقير ويسلم مبتدئا ولا يحقر ما دعى إليه ولو إلى حشف التمر ، وكان هين المؤنة ، لين الخلق ، كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بساما من غير ضحك ، محزونا من غير عبوس ، متواضعا من غير مذلة ، جوادا من غير سرف ، رقيق القلب رحيما بكل مسلم ، لم يتجشأ قط من شبع ، ولا يمد يده إلى طمع ، فمن استعمل هذه الخصال فقد تواضع للّه بالكمال ، وهو بريء من الكبر بكل حال . واللّه الموفق . الفصل الرابع في صفة الحرص وعلاجها بالقناعة قال اللّه تعالى : * إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) [ المعارج : 19 ] أي : حريصا على المال شحيحا به وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « وما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه » « 2 » . اعلم أن الحرص أكبر آفة للسائرين إلى اللّه تعالى . وأعظم قاطع يقطع الطريق على الطالبين للّه . لأن الحرص هو عين الطلب فإذا استعمل في مطلوب غير اللّه لا يمكن استعماله في اللّه لا سيما والحرص على مال الدنيا وجاهها ، فإنه يستوعب كماله . كما قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « لو كان لابن آدم وأديان من ذهب لا تبغى لهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب اللّه على من تاب » « 3 » وقال المشايخ : آخر

--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، من اسمه عيسى ، حديث رقم ( 4894 ) [ ج 5 ص 139 ] . ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، كلام سلمان ، حديث رقم ( 34663 ) [ ج 7 ص 120 ] . ورواه الشهاب في مسنده ، باب من تواضع للّه رفعه اللّه ومن تكبّر وضعه اللّه ، حديث رقم ( 335 ) [ ج 1 ص 219 ] . ( 2 ) أخرجه ابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار عما يجب على المرء في مجانبة الحرص . . . ، حديث رقم ( 3228 ) [ ج 8 ص 24 ] . والترمذي في سننه ، كتاب الزهد ، باب 43 ، حديث رقم ( 2376 ) . وأخرجه غيرهما . ( 3 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 7970 ) [ ج 8 ص 247 ] .