عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

117

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه ، وليس للإنسان صفة لا نهاية لها إلا الحرص ؛ لأنه عين الطلب وهو من نتائج المحبة وهي صفة من صفات اللّه تعالى كرم اللّه بها الإنسان وخصه بها من بين سائر المخلوقات في سر وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] بقوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] وهذه كرامة مخصوصة بالإنسان فالمحبة تنشىء الطلب وغاية الطلب الحرص ، وكل صفة من صفات الإنسان متناهية إلا الحرص على طلب اللّه تعالى ، فإنه يزداد إلى الأبد ، فكما أن المطلوب وهو اللّه غير متناه ، كذلك الطلب غير متناه ، ولهذا لو انصرف وجه الحرص على الطلب إلى مطلوب غيره لا يزال يزداد الحرص عليه ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان ؛ الحرص والأمل » « 1 » وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « قلب الشيخ شاب على حب اثنين ؛ على جمع المال وطول الحياة » « 2 » وعلى الحقيقة الحرص نار وحطبها مال الدنيا وجاهها ، كلما ازداد حطبها ازدادت النار ، ولا يطفئها إلا ماء القناعة . ولهذا قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « القناعة كنز لا يفنى » « 3 » لأن نار الحرص لما كانت نافذة فما يطفئها ينبغي أن يكون غير نافذ ، وبالحقيقة إن الحرص نار أوقدها اللّه تعالى فلا تنطفىء إلا بماء القناعة ، قنع اللّه الحريص به ؛ لأن القناعة ليست من طبيعة الإنسان وهي من مواهب الحق تعالى ، وهي من أسباب الفلاح وبها ينجي اللّه الحريص في الدنيا من نار الحرص ، وفي الآخرة من نار جهنم ، كما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه اللّه بما آتاه » « 4 » « وإن اللّه جعل العز في القناعة والذل في الطمع » كما قيل : « عز من قنع وذل من طمع » والقانع من قنع بما رزقه اللّه تعالى يوما بيوم من غير إسراف بنفس وحرص طلب ويقتصر منه على غذائه وعشائه وينفق ما فضل منه فيكون مستغنيا بغنى اللّه ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « استغنوا بغنى اللّه . قالوا : وما هو . قال : غذاء يوم وعشاء ليلة » « 5 » وقال علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - :

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الزكاة ، باب كراهة الحرص على الدنيا ، حديث رقم ( 115 - 1047 ) ولفظه : « يلد ابن آدم وتشبّ معه اثنتان : الحرص على المال ، والحرص على العمر » ورواه غيره . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة ، باب كراهة الحرص على الدنيا حديث رقم ( 114 - 1046 ) بلفظ : « قلب الشيخ شاب على حب اثنتين : طول الحياة ، وحب المال » . ورواه غيره . ( 3 ) لم يرد بهذا اللفظ إنما ورد بلفظ : « عليكم بالقناعة فإن القناعة مال لا ينفد » . ( الطبراني في المعجم الأوسط ، رقم ( 6922 ) [ ج 7 ص 84 ] . ورواه الشهاب في مسنده بلفظ : « القناعة مال لا ينفد » [ ج 1 ص 72 رقم 73 ] . ( 4 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الزكاة ، باب في الكفاف والقناعة ، حديث رقم ( 125 - 1054 ) . ( 5 ) أورده المتقي الهندي في كنز العمال ، حديث رقم ( 7155 ) بلفظ ليستغن أحدكم بغنى اللّه غذاء -