عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
115
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
قال ابن الأعرابي : البطر : سوء احتمال الغنى ، وبطر الحق ههنا : أن يجعل الحق باطلا ، ويقال : هو أن يتكبر عند الحق فلا يقبله كما كان لإبليس . وغمط الناس : أن يحتقرهم فلا يراهم شيئا . فدلت الآية والحديث أن الكبر كفر ألا ترى أنه قابله في نقيضه بالإيمان في الحديث وقال في القرآن : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [ البقرة : 34 ] أي : صار من الكافرين بالإباء والاستكبار . وإني قد رأيت النبي - صلى اللّه عليه وسلم - جالسا وهو يذم الكبر والتكبر فتذكرت حديثه الذي قاله - صلى اللّه عليه وسلم - : « ما أنا من دد ولا الدد مني » « 1 » فقلته ، ولكن جرى على لساني « ما أنا من الدد بالألف واللام » فلما سمع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - مني الحديث أعاده وقال « ما أنا من الدد ولا الدد مني » قلت : يا رسول اللّه ، هذا حديثك ؟ قال : هذا حديثي . قلت : أروه عنك ؟ فقال : نعم اروه عني ، فقلت : يا رسول اللّه أعطني يدك لأقبلها فأعطاني يده فصافحني فقبلت يده - صلى اللّه عليه وسلم - ، ثم انتبهت . فأولت بذكري هذا الحديث في معرض أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان يذم الكبر والتكبر ، أنه إشارة إلى أن العبد لا ينبغي أن يكون متكبرا كثير النخوة ولا كثير اللعب واللهو ، قليل النخوة ، فإنهما مذمومان بل يكون متواضعا منبسطا مع الإخوان متحرزا عن الذلة والهوان ممازحا من غير لعب ولهو كما كان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يمزح ولا يقول إلا الحق . والدد : اللهو واللعب . وقيل معنى تنكير الدد في الأول : الشياع والاستغراق وأن لا يبقى شيء منه إلا وهو منزه عنه ، أي : ما أنا من شيء من اللهو واللعب . وتعريفه في الجملة الثانية لأنه صار معهودا بالذكر كأنه قال ولا ذلك النوع مني ، وأما علاج الكبرياء بالتواضع فالتواضع : الاستسلام للحق وترك الاعتراض على حكم اللّه ولا سبيل إليه إلا من وجهين : أحدهما : أن ينظر إلى النفس بعين الحقارة فيرى خسة طبعها وركاكة نظرها ودناءة همتها وأنواع عيوبها وتمردها عن الحق وتعلقها بالباطل وخباثة ذاتها ودمامة صفاتها وتعديها وظلمها على نفسها ومع ذلك يرى عجزها وفقرها وذلها وضعفها ومسكنتها . الثاني : أن ينظر إلى عظمة اللّه وعزته وكبريائه وجلاله وجبروته وشدة عذابه وألم
--> ( 1 ) رواه البخاري في الأدب المفرد ( ج 1 ص 274 ) حديث رقم ( 785 ) ولفظه : « لست الدد ولا الدد مني بشيء » يعني ليس الباطل مني بشيء . ورواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب من كره كلما لعب الناس به من الخزة . . . ، ( ج 10 ص 217 ) حديث رقم ( 20754 ) .