عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

11

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

فاتحة الكتاب اعلم أيدك اللّه بروح منه ، وأحياك بنوره ، أن لهذا الملتمس مقدمات ينبغي أن تعرف أولا حتى تستطلع منها هذه المطالب ، وهي معرفة مراتب الموجودات الصادرة من مبدعها وموجدها على سبيل الاختصار وهي ؛ الحضرة الإلهية المسماة عند بعضهم بواجب الوجود . ونعني بواجب الوجود أن يكون وجوده من ذاته لا من غيره ووجود غيره منه فيكون كل ما سواه ممكن الوجود ، والممكن ما يكون طرفا وجوده وعدمه متساويين فلا بد له من مرجح يرجح طرف وجوده على عدمه والمرجح هو اللّه الواحد الأحد ، الصمد الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحدا . فصل : [ في تكوين العالم ] ثم اعلم أن العالم بما فيه من الغيب والشهادة مكون من الفيض الأول الذي عبر عنه بكلمة كن ، كما قال اللّه تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النّحل : 40 ] وأول شيء تكون بتكوين الفيض الأول الروح الأعلى والنور الأربى ، وهو روح سيد الأولين والآخرين محمد المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأزكى التحيات ، ونوره ، كما قال - عليه السلام - : « أول ما خلق اللّه روحي » وفي رواية « نوري » « 1 » . وإنما قال في رواية أخري : « أول ما خلق اللّه القلم » « 2 » لأن روحه كان قلم الحق سبحانه وتعالى ، فكما أن القلم يستفيض من المواد للكتابة كان روحه مستفيضا من الفيض الأول ، ويفيض على المكونات فكأن المكونات كتاب كتبه اللّه تعالى بقلم روحه ومداد أنوار فيضه الأول ، فلهذا السر قال النبي - عليه الصلاة والسلام - : « خلق اللّه القلم من نور ومداده النور » « 3 » وكل عالم من العوالم المختلفة حرف من حروف كتابه ، والإنسان الكامل كلمة من كتابه مركبة من حروف

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 826 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند عن عبادة بن الصامت ، حديث رقم ( 22774 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . ورواه غيره . ( 3 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .