عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

109

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

اسم جامع لقالبه ونفسه الأمارة وقلبه وروحه ولها خاصية لا توجد في الروح ولا في القلب ولا في النفس الأمارة ولا في قالبه ، ويوجد فيها ما يوجد في كل فرد من أفرادها كما أن السكنجبين اسم جامع للمطبوخ من السكر والخل والماء فله خاصية في دفع الصفراء لا توجد في السكر ولا في الخل ولا في الماء ، ويوجد فيه ما يوجد في تلك الأفراد ، فبهذا الاعتبار يوجد في رجوع النفس إلى الحضرة رجوع القلب والروح جميع وجوده ولا يوجد في رجوع فرد من هذه الأفراد رجوع الجميع ، ثم إذا أظهر الحق تعالى آثار ألطافه وعنايته في حال العبد وأسمعه خطاب ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 28 ] وإن كان هو غير مشعر بسماعه فيرزقه حسن الإنابة والتوبة التي هي الرجوع إلى الحق بعد التمادي في الباطل ، فعليه في الرجوع العبور على تلك الحجب التي هي سبعون ألف حجاب من نور وظلمة ولا يسلم له العبور على كل مقام من هذه المقامات إلا بأن يرد إليه ما أخذ منه حين تعلقه بالقالب ويسترد منه ما حل فيه من النور والصفاء واللطافة وأنه يحتاج هذه الأوصاف ليطير إلى عشه الأصلي الذي طار منه ، ثم بتصرفات الجذبات من حقيقة أمر ارجعي يصير إلى الحضرة . فأول مقام يعبر عنه السالك من بدء سلوكه مقام التربية كما سيجيء شرحه إن شاء اللّه تعالى . الفصل الثالث في العبور عن مقامات خواص الجواهر وهي أربع مقامات ؛ الترابية والمائية والهوائية والنارية . اعلم أن الروح في حبس القالب مقيد بهذه القيود الأربعة ، فلا يتخلص منها إلا بالإيمان والأعمال الصالحة الشرعية ، كما قال تعالى : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) [ التين : 5 ، 6 ] وقال تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] والعبور عنها بأن يرد إلى كل مقام عبر عليه حين تعلقه بالقالب ما أخذ منه من مذمومات خواصه ، ويبقى معه ما أخذ من محمودات خواصه ، فما أخذ من خواص الترابية المذمومة هي الخسة والركاكة والدناءة والذلة والإمساك ، فردها إليه بتزكية النفس عن هذه الصفات ، وتبديلها بأضدادها ، وهي علو الهمة ورفعة الدرجة والمروءة والعزة والسخاوة . فأما محمودات خواصها فالتواضع والقناعة والانكسار والحلم والثبات والسكون والوقار . وأما المائية فمذمومات خواصها طلب الشهوات والتنعمات والمستلذات والأنوثة في الطبع والخنوثة والكسل ، فردها بالتزكية عنها والتحلية بأضدادها وهي العفة والأنفة والرجولية والصلابة ، فأما محمودات خواصها : فاللين والرقة والشفقة والرحمة ولطافة