ابن عربي

9

مجموعه رسائل ابن عربي

تبيين الغرض من هذا الكتاب : كنا قد ألفنا كتابا روحانيا ، وانشاء ربانيا ، سميناه بالتدبيرات الإلهية في أصلاح المملكة الإنسانية ، تكلمنا فيه على أن الإنسان عالم صغير ، مسلوخ من العالم الكبير ، فكل ما ظهر في الكون الأكبر ، فهو في هذا العين الأصغر ولم أتكلم في تلك الأوراق على مضاهات الإنسان بالعالم على الإطلاق ، ولكن على ما يقابله به من جهة الخلائق والتدبير ، وبينت منه ما هو الكاتب والوزير ، والقاضي العادل والأمناء والعاملون على الصدقات والسفر والسبب الذي جعل الحرب بين العقل والهوى ، ورتبت فيه مقابلة الأعدا ، ومتى يكون اللقا ونصرته نصرا موزرا ، وكونته أميرا مدبرا ، وأنشأت الملك وأقمت ببعض عالمه الحياة ، وببعضهم الملك ، وكهل الغرض ، وأمن من كان في قلبه مرض ، وكنت نويت أن أجعل فيه ما أوضحه تارة وأخفيه ، أين يكون من هذه النسخة الإنسانية والنشأة الروحانية مقام الإمام المهدي المنسوب إلى بيت النبي الماء والطين وأين يكون أيضا منها ختم الأولياء وطابع الأصفياء ، وإذ الحاجة إلى معرفة هذين المقامين في الإنسان ، آكد من كل مضاهات أكوان الحدثان ، لكني خفت من نزعة العدو والشيطان أن يصرح بي في حضرة السلطان فيقول علي ما لا أنويه وأحصل من أجله في بيت التشويه فسترت الشة بالعززان ، صيانة لهذا الجسمان ثم رأيت ما أودع الحق من هذه الأسرار لديه ، وتوكلت في إبرازه عليه ، فجعلت هذا الكتاب لمعرفة هذين المقامين ومتى تكلمت على هذا ، فإنما أذكر العالمين لتتبين الأمر للسامع في الكبير الذي يعرفه ويعقله ، ثم أضاهيه بسره المودع في الإنسان الذي ينكره ويجهله فليس غرضي في كل ما أصنف في هذا الفن معرفة ما ظهر في الكون وإنما الغرض تنبيه الغافل على ما وجد في هذا العين الإنساني ، والشخص الآدمي فحقق نظرك أيها العاقل وتنبه أيها الغافل هل ينفعني في الآخرة كون السلطان عادلا أو جائرا أو عالما أو حائرا ، لا واللّه يا أخي حتى أنظر ذلك السلطان مني وإلي ، واجعل عقلي إماما علي واطلب منه الآداب الشرعية في باطني وظاهري وأبايعه على إصلاح أولى وأخرى ، فمني لم أجعل هذا نظري هلكت ، ومتى أعرضت عن الاشتغال بالناس تمكنت من نجاتي وتملكت إذ وقد قال ( ص ) يخاطب جميع أمته « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » فقد أثبت ( ص ) الإمامة لكل إنسان في نفسه وجعله مطلوبا بالحق في عالم غيبه وحسه فإذا كان الأمر على هذا الحد ، ولزمنا الوفاء بالعهد فما لنا نفرط في سبيل النجاة ،