ابن عربي

10

مجموعه رسائل ابن عربي

ونقنع بأحط الدرجات ما هذا فعل من قال أني عاقل . ويتجنب هذه المعاقل فمتى ذكرت في كتابي هذا أو في غيره حادثا من حوادث الأكوان فإنما غرضي أن أثبته في سمع السامع وأقابله بمثله في الإنسان فتصدق النظر فيه إلى ذاتنا ، الذي هو سبيل نجاتنا ، فأمشيه بكليته في هذه النشأة الإنسانية على حسب ما يعطه المقام إما جثمانية وإما روحانية ، فإياك أن تتوهم أيها الأخ الشقيق أن غرضي من كتبي كلها الكلام فيما خرج عن ذاتي من غير أن تلحظ فيه سبيل نجاتي ، فما أبالي إذا نفسي تساعدني على النجاة بمن قد فاز أو هلكا فانظر إلى ملكك الأدنى ، إليك تجد في كل شخص على أجزائه ملكا ، وزنه بالعدل شرعا كل آونة وأسلك به خلفه من كل ما سلكا ولا تكن ماردا تسعى لمفسدة في ملك ذاتك لكن فيه تكن ملكا فليتأمل ولي هذا الكتاب فأني أذكر فيه الأمرين العالم الأكبر واجعله كالقشر واجعل ما يقابله من الإنسان كاللباب للسبب الذي ذكرته أن يتبين للسامع ما يجهله في الشيء الذي يعرفه ويعقله ، ولو وصل فهمه إليه دون ذكرى إياه ، ما لحظت ساعة الحياة ، ولا عرجت لمحة بارق على معناه ، فإنما أسوقه مثالا لا للتقريب ومجالا للتهذيب وسأورد ذلك إن شاء اللّه تعالى في هذا الكتاب من لآلىء الأصدف ونواشيء الأعراف التي هي أمثال نصبها الحق للمؤمنين والعارفين حبالة صائد ، وتحفة قاصد ، وعبرة لبيب ، وملاطفة حبيب . بحر طامس وبحر غاطس فيه لآلىء إشارات في صداف عبارات فمن ذلك مفتاح حجة وإيضاح لحجة ولما لم يتمكن القاصد إلى البيت العتيق أن يصل إليه حتى يقطع كل فج عميق ويترك الألف والوطن ويهجر الخلة والفطن ويفارق الأهل والولد ، ويستوحش في سيره من كل أحد ، حتى إذا وصل الميقات خرج من رق الأوقات وتجدد من مخيطه وخرج من تركيبه إلى بسيطه وأخذ يلبي من دعاه ، فنسي ما كان من قبل ذلك وعاه ، وصعد كدا لاح له علم هدى ودخل الحرم وحرم ولثم الحجر وقبل ، تذكر ميثاق الأزل وطاف بكعبته وأحاط بنشأته ، هكذا في جميع مناسكه يمشي على مسالكه فإن تجاوز المغنى ووقفه على حجة معنى ينشئ فذلك هو الحاج الذي يتهنا ولولا السامة من قاربه لعرفتكم به منسكا منسكا إلى آخره ، وابتدأت في هذا الكتاب بنكتة الحج إذ مناه تكرار القصد إلى الواحد الفرد والقصد أول مقام لكل طالب سرا ومحاول أمرا وأنا أريد أن أوضح لك في هذا الكتاب أسرارا