ابن عربي
81
مجموعه رسائل ابن عربي
العقلي ، كارهين أن يكون وراء العقل موهبة مدركة ، لأن طريق الوصول إليها بالغ الوعورة والقسوة . والأمثلة في الدوائر العلمية على صحة دعوانا هذه أكثر من أن تحصى « 1 » إن هؤلاء المنكرين لمذهب الوحدة الصوفي يقرأون في زهو وإعجاب قول « أفلوطين » : إن المطلق لا يمكن أن يكون وحيدا ، ولذلك فإنه يفيض من ذاته أنفسا . وقول رجال المسيحية الرسمية إن التضحية هي التي دفعت الواحد لأن يتعدد . وبمثل هذه الأفكار البهلوانية يتيه طلابنا وبعض أساتذتهم ، وهم في الوقت نفسه يربطون بين هذه الوحدة العقلية ، ووحدة الوجود الصوفية الروحية ، ويخدعون أنفسهم ويقيمون حولها سورا من مجازات الإيمان ، وينسبون صفات الحي الفاني إلى الحي الأبدي الأزلي ، سمة واللّه ألفها الصوفية في سلوكهم ، وتعلموا منها ومن مئات أخرى من أمثالها علم النفس الواقعي ، لا علم النفس المنقول المسطور . علم النفس المسطور في أعماق النفس يشهدونه ويلمسونه بأرواحهم وعقولهم . فلا مماراة بعد الشهود إن جازت المماراة في علم السطور والاستنتاج . لقد فطن قدماء الصوفية إلى مدى البعد بينهم وبين غيرهم في المشاهد العلمية ، فقال الإمام أبو بكر الشبلي واصفا علوم القوم : « ما ظنك بعلم علم العلماء فيه تهمة » . وبمثل هذه الدقة تربى هؤلاء ، فلم يقولوا بالوحدة كما قال فلاسفة العقل الواقعين تحت سيطرة الخداع النفسي . إن الوحدة الصوفية تقوم على أن حقيقة الوجود لا تكون إلّا للذات الإلهية ، ولا وجود على الحقيقة إلّا للواحد الأحد الحق ، لأن الوجود الحق هو ما لم يكن مستعارا من غيره ، بل كان فياضا من حقيقة الموجود ، وليس ذلك لأي موجود في عالم الخلق ، فكل وجود غير الوجود الإلهي إنما هو وهمي مجازي ، والوجود الذي نحسه إنما هو بمقدار فيض عين الوجود على أي موجود . وليس هناك شيء على وجه الأرض أو جائل في الصدور من صور المعلومات إلّا وهو فيض من الحضرات الإلهية . فلو رد كل شيء إلى أصله ، وكل مسبب إلى سببه القريب ، وهكذا حتى نصل إلى المسبب الأول جل جلاله لما بقي في الوجود غيره ، فالمنكرون للوحدة الصوفية يعيشون في عالم التفرقة ، والقائلون بها ينظرون إلى عالم الجمع ، الصوفي يعيش في
--> ( 1 ) راجع ما يختص بالعلماء في هذا الباب في [ النصائح للمحاسبي ] .