ابن عربي

82

مجموعه رسائل ابن عربي

تجريد التوحيد ، وغيره يعيش في متشابه التوحيد . إننا لا ننكر بأي حال من الأحوال إن النار هي السبب المباشر للإحراق ، ولكننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نعتقد أنها فاعلة بنفسها مستمدة صفة الإحراق من ذاتها وإلا لأنكرنا نصا من القرآن يؤكد إنها كانت بردا وسلاما على إبراهيم ، فإذا كان الباحث من المتحررين من سلطان الدين فهل ينكر إن هناك من الدهون والعقاقير ما إذا غلف به جسم ما فإن النار لا تستطيع أن تسير في مجراها ، بل تتوقف عنده ، وتعجز عن إحراقه ، وفي المجتمع المصري دليل يراه الناس كلهم بلا استثناء وهو اللاعب بالنار الذي يرتاد المقاهي في جميع الأحياء لعرض ألعابه النارية ، ويدخل الشعلة فمه بتأن يتأتى معه إحراق فمه وشفتيه على الأقل ، ولكن المشاهدة لا تحقق للنار عملها . أليس في ذلك كله دليل على إن الإحراق ليس من ذات النار بل مستمد من قوة أخرى وهي من القوة بحيث تخترق الحدود التي هي عند البشر في عامتهم ليس وراءها حدود ولو لفترات قصيرة من الزمن . وخوارق العادة دليل واضح على ما نقول . وإذا ما فكر السائر في طريق المعرفة في العلة الأولى للإحراق فإنه في هذه الحالة يغرق في حيرة موئسة . وهذه الحيرة ناقوس العلم الذي ينبه السالك إلى أنه على أبواب فتح يشاهد بالقلب والروح ولا ينطق به اللسان ، لا لشيء إلّا لأنه مشهد يستولى عليك فيوقفك في مقام الحيرة ، فإذا استسلمت لها واتجهت إلى الغيب فقد بدأت في مرحلة الاستمداد والفيض ، فإذا شهد لك سلوكك بالطهارة الظاهرة والباطنة ، والعمل على إحياء شعائر الإسلام في لذة واسترواح كان كلامك حقا ، ولن تنطق إلّا حقا . هل عرف الإنسان سر الإحراق في النار إلى الآن ؟ لم يتحقق ذلك مع تلك النهضة العلمية الجبارة . وما دمنا نجهل ذلك فلم إقحام العقل في تلك الأمور ؟ إن العقل الذي تسيطر عليه الروح يؤمن بالحق المطلق عن الاطلاق ولا يقول إن الحق مبرأ من العيوب ، لأن العيب لا طريق له إليه حتى يبرأ منه ، ولكنهم في لذة من الحبور بتلك الوقفة الصوفية الرائعة التي تدفع الروح في حركة هادئة نحو المعرفة الحقة بينما تجد السعادة كل السعادة في التزام الأمر والنهي . فالصوفي إذا نطق أو كتب فإنما يكتب من هذه المنطقة من الإدراك ، ويؤمن بأن النزول عنها تعبير نازل لا صاعد ، فتبدو أقواله متفاوتة الغرابة عند بعض الباحثين ، وكلما