ابن عربي

342

مجموعه رسائل ابن عربي

أخفيتها ووكلناك فيها لنفسك وهذا الحكمة يعلمها هذا الإمام أن عرف أن ثمة أبدالا فيعرف ما المانع لرؤيته إياهم وتصريفه وإن لم يعلم لا يعلم تلك الحكمة ولكنه قد أهله اللّه تعالى للتقديم ووشحه عمل رشاد هذه الأمة لتهتدي به عباده وهذه مقامات وإياك أن تتخيل يا بني في نفسك ما يحصل لك علما دون ذوق أبدا هيهات فازوا وخسروا المبطلون وإياك أن تتخيل أني خرجت عن المقصود بذكري لهذه الأشياء إنما سقتها تنبيها على أنه لا يكون صاحب هذا المقام إلّا من فتح له باب عالم الشهادة من قبله كما قدمنا في أول المنزل فإن فتح له فهذه حالته في الشهادة واللّه يرشد الجميع لا رب غيره ( ومن كرامات ) هذا القلب المختص به اطلاع الحق له على ما أودع في العالم الأكبر من الأسرار ثم أين حظه في نفسه من ذلك السر الخفي حتى يعرف أين البحر فيه وأين البر وأين الشجر وأين السماء والكواكب والأقاليم ومكة والقدس ويثرب وآدم وموسى وهارون ( عليهم السلام ) كما يعرف أيضا في ذاته الدجال ويأجوج ومأجوج والدابة المكلمة لخلقه هكذا حتى لا يشذ عنه شيء من الموجودات ولا أريد حصرها وإنما أريد أن كل ما عرفه من العالم عرف أين حظه في نفسه وذاته فهو في هذه الكرامة يقابل كتاب ذاته بكتاب العالم الكبير فيصبح كتابه الخاص به ومنها أن يطلعه اللّه تبارك وتعالى على هذه الأسرار فعكس المرتبة الأولى فيكون في هذا يقابل في العالم مع ذاته فيعرف الشيء في نفسه أولا ثم بعد ذلك ينظر ما يقابله في العالم من الخارج فالأول طالب في نفسه ما وجد جارح عنه والثاني طالب في الخارج عنه ما وجد في ذاته وهذه الكرامة أشرف وأسبق في الرحموتيات * ومنها أن يطلعه اللّه تعالى على هذه الأشياء وفي الكتابين معا من غير تقديم ولا تأخير كالصورة في المرآة مع الناظر وهنا مقامت ( الأول ) : أن يكون العالم مرآة ( والثاني ) : أن يكون للعالم مرآة وهو المقام الأعلى فإن العالم يرى فيه نفسه ولا يراه أصلا فيكشف العالم ولا يكشفه العالم فهذا القلب لو تسأل الأيام عنه ما عرفته ولو طلب له مكان لم يعقل وهذا هو وارث الحق الذي يكشف ولا يكشف وصاحب هذه الكرامة هو المحمدي المكمل الذي ليس له مقام فيدرك والتنبيه عليه من الكتاب العزيز يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا فهذا تنبيه على أمرين على أن لا نهاية أصلا وعلى المقام الذي ذكرناه الساعة وله تأثير عجيب في العالم من غير تعيين إلّا كما ذكرناه وقدرناه في الفلك القدمي ومن لم يوفقه اللّه تعالى على هذه الكرامات القلبية فليس له علم بموضع الحكم الوجودية ولا حقيقة له .