ابن عربي

343

مجموعه رسائل ابن عربي

منزل هذه الكرامات ومن المنازل أن يطلعه اللّه تعالى على هذه العلة والسبب الذي لأجله وجد به أمر أو عدم أي كون كائن من الأكوان في العالم روحانيا أو غير روحاني على الجملة فإذا عرف ذلك نظر هل له تأثير إلهي أو غير تأثير فإن كان له تأثير استعد لقبوله وانتذر إخوانه من المؤمنين إن كان له تأثير هلاك وإن كان تأثير رحمة بشر الخاصة من إخوانه واستعدوا لذلك بالشكر والثناء كما وجب عليهم في الأول والتضرع والابتهال والحذر من الحوادث الطارئة الطارقة لطوفان أو رياح أو زلازل أو ملحمة كما فعل ابن برجان في كتاب إيضاح الحكمة له حيث يشير لفتح بيت المقدس بتعيين العام الذي يكون فيه وظهور نبي في الزمان الذي كان قبل نبينا محمدا ( ص ) كقس بن ساعدة وغيره حين بشر به وبأوانه ورسول اللّه ( ص ) يسمع وهو بسوق عكاظ وأشباه هذا المقام وهذا منزل عالم لا يناله كل أحد إلّا من اختصه اللّه تعالى من عباده ومع كونه منزلا عاليا ينبغي لمن حصل له أن لا يأمنه فإن في طيه مكرا خفيا واستدراجا لطيفا لا يشعر به كل أحد ومعرفة ذلك المكر موقوفة على من حصل في المنزل الثاني الذي نذكره بعد هذا إن شاء اللّه تعالى . ( منزل الاختصاص ) وهذا المنزل أعلى من الأول وأثبت وأنفع للسعادة الأبدية وليس في طيه مكر ولا استدراج وهو أن يعرف الحق سبحانه وتعالى بعلل أكوان نفسه وما يوجده فيه ومن أي حضرة هو وأي اسم له وإلى أين يكون مآله وهذا المنزل لا يناله إلّا الخاصة المقطوع بسعادتهم كالأنبياء والأولياء وهذا منزل التخصيص صاحبه مأمون من المكر والخديعة محفوظ عليه حركته وسكونه وخاطره وذلك أن اللّه تعالى إذا أوجد فيه كونا ما من الأكوان الروحانية وعلم علته وسببه ومآله فإن كان مؤد إلى خسران وقت له وعاقبه رجع عنه قبل تأثيره في عالم شهادته وهو معفو عنه شرعا وإن كان يؤدّي إلى سعادة أبدية شكر اللّه تعالى وأمضاه في حضرة ملكه لمعرفته بما له فيه من المنفعة والمصلحة وإن كان هذا كما ذكرناه منزلا عاليا فثم منزل آخر أعلى منه من طريق الكشف والمقام ومساو له في السعادة والنجاة من أسر منزل في النفس غير أن سعادة هذا أتم وهذا هو المنزل الذي نذكره الآن إن شاء اللّه تعالى .