ابن عربي

297

مجموعه رسائل ابن عربي

إليها نطقها في نفسها على طريق الإعجاز والكرامة وكيف ما كانت فالفائدة بذلك التحريض على الطاعة والدوام على الاستقامة لترقي الهمم في المنازل العلية وهذا آخر الميراث النبوي من تسبيح الحصا في كف النبي ( ص ) ومن شاء اللّه من الصحابة وحنين الجذع وسلام الحجر عليه وكتف الشاة المسمومة وقال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فإذا تحقق به يطرأ عليه حالة لا يشاهد فيها شيئا من الموجودات إلّا مسبحا بلسان ناطق كنطق زيد وعمرو يفهمه صاحب الحال المشاهد له لا بالحال كما يراه بعض المنكرين الذين لم يذوقوا من الطريق إلّا رسمه فإن سمعت نطقها وهي غير ناطقة في نفسها فذلك قوة خيال وهي عندك تخيلت أن الأمر خارج عنك وهو فيك وإلى هذا المقام يشير المنكرون الذين ذكرناهم وهذه حالة أكثر المؤيدين في زماننا هذا لكنهم لا يشعرون بذلك وقد شاهدناه في أنفسنا في بدايتنا وللّه الحمد على ذلك . ومنها أن يكون صاحب هذا المقام محدثا ولا يرى من يحدثه من جهة هذه الحضرة فإن رآه فمن جهة حضرة تحققه بالبصر فيلحقك السماع بدرجة المحدثين ويهتف بك وتسمع الخطاب إما بديها وإما جوابا عن سؤال منك ورد السلام عليك وقد شاهدنا هذه الأمور كلها وأخبرني غير واحد عن أبي العباس الخشاب ( رضي اللّه عنك ) أنه كان محدثا اشتهر هذا عنه . ومن هذا الباب سماع سارية صوت عمر من المدينة وبينهما أيام فكل كرامة يكون خطاب فيها فهي من هذا الباب فإن زاد على الخطاب أمر آخر فمن تحققه من حضرة أخرى إذا طلبتها وجدتها وهكذا ربط اللّه سبحانه وتعالى العادة عندنا في الطريق واقتضته مناسبة الحكمة مع جواز التبدل عقلا فإذا صح ما ذكرناه وليس يشترط وجوده بل يكون التحقيق والولاية مع عدم هذه الكرامات ولكن أردنا هذا الكتاب أن تبيّن مراتبها إذا ظهرت ليعلم من ظهرت له من أين صحت له وأين مقامها في الحضرات الوجودية وإذا تقرر هذا فلننتقل إلى ما تيسر من المنازل لهذه المقامات واللّه المستعان ( منازل هذا العضو ) . . . أصل حصول هذه المنازل تفريغ الخاطر من كل شاغل يشغلك عن تحققك بما سمعت أو رأيت أو تكلمت في أي مقام كنت من أعمال الجوارح فإن لم تتفرغ الخواطر للسماع لم تتفرغ الأعضاء للتخلق وإذا لم يصح التخلق لم يكن التحقق والتحقق له مقامات متفاضلة وهو الذي أردناه بالمنازل فاسع يا بني في تفريغ الخاطر للسماع المراد منك في أي مكان كنت من خلأ أو ملأ إن لم يضر الملأ ووجدت فلا حرج عليك في مجالسته وإن حرمت من أجله فالزم الخلوة فهي خير جليس