ابن عربي

283

مجموعه رسائل ابن عربي

وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ الآيات وقال تعالى : أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فما وصفهم لما وصفهم إلّا بأعمالهم التي خلق لهم ثم أنه سبحانه وتعالى ما نص على مقام يناله العبد عنده إلّا قرنه بالعمل الصالح كما قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، وقال تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ في حق أصحاب الرسول فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ كناية عن أصحاب الهمم عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ كناية عن العلماء وهم الأقطاب والرسل والورثة إلى أمثال هذه الآيات النيرات فقد شاء اللّه سبحانه وتعالى أن لا تنال المقامات على تفاضلها بتفاضيل بعضها على بعض إلّا بالعمل فإن قيل قدير يرتقي الإنسان بالبلاء مقامات لا يوصله إليها عمل والبلاء ليس بعمل وهذا غلط فإن البلاء لا يعطي مقاما أصلا ولا يرقى أحدا عند اللّه درجة ولو كان البلاء بما هو بلاء يرفع درجات من قام به عند اللّه وينال به السعادة الأبدية لنالها أهل البلاء من المشركين والكفار بل هو في حقهم تعجيل لعذابهم كما قال تعالى في المحاربين : أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ . ثم قال : ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ فما يعطي لأهل البلاء مقامات إلا بالصبر عليه والرضى به كل على حسب مشربه والصبر والرضى من جملة أعمال الأحوال المشروعة لنا المأمور بها شرعا كما قال تعالى : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وما يكون الصبر إلّا على بلاء ومشقة وأصل والسعادة الجامعة موافقتنا الحق تعالى فيما أمر به ونهي عنه شرعا كما تقدم في نجم العناية وموافقته توحيدا في باطنه ببقاء الأغيار وتلك الموافقة عناية من اللّه ببعض عباده ولكنه يا بني ينبغي للعبد أن يعتقد أن أعماله لم توصله إلى نيل تلك المقامات وإنما أوصله إلى ذلك رحمة اللّه الذي أعطاه التوفيق للعمل والقدرة عليه والثواب فحصول السعادة أعني دخول دار الكرامة ابتداء إنما هو برحمة اللّه تعالى قال ( ص ) : لا يدخل الجنة أحد بعمله قيل ولا أنت يا رسول اللّه قال ولا أنا إلّا أن يتغمدني اللّه برحمته فالدخول برحمة اللّه وقسمة الدرجات بالأعمال والخلود بالنيات وهذه ثلاث مقامات وكذلك في دار الشقاوة دخول أهلها فيها بعدل اللّه وطبقات عذابها بالأعمال وخلودهم بالنيات وأصل ما استوجبوا به العذاب المؤبد المخالفة كما كانت السعادة للموافقة وكذلك من دخل من العاصين النار لولا