ابن عربي

271

مجموعه رسائل ابن عربي

عوضا على عملهم إذ لم يقم لهم به خاطر أصلا لتبرئهم من الدعوى ثم قال وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وهم الرجال الذين رغب العارف أن يلحق بهم ويرسم في ديوانهم وقد جعلهم تعالى في حضرة الربوبية ولم يشترط في إيمان الصديقين السماع كما فعل بالعارفين حكمة منه سبحانه أن نتعلم الأدب وكيف ترتب الوجود حتى تنزل كل موجود منزلته وأين تقتضيه مرتبته ونقتصر على الاسم الذي سماه به الحق وعرفناه فعلم الأسماء عظيم وفيه يظهر أدب أهل طريق اللّه مع اللّه وبه صح الشرف لأبينا نبي اللّه آدم ( ع ) فلو قال آدم ( ع ) يسمى البغل حمارا مثلا اصطلاحا مني لأن أباه الحمار لم يكن يقف عندما علمه اللّه فصاحب الأدب المراعي حرمة الحضرة الإلهية عندها ويمشي معا فإذا زمزت له شيئا لم تعرفه باسمه حينئذ له أن يصطلح مع نفسه بما يقارب معناه إن كان حكيما ثم انظر بعين البصيرة أدب رسول اللّه ( ص ) أين جعل العارف حيث جعله الحق فقال من عرف نفسه عرف ربه ولم يقل علم فلم ينزله عن حضرة الربوبية ولا عن حضرة نفسه التي هي صاحبة الجنة كما قال وفيها ما تشتهي الأنفس فالعارف صاحب الشهوة المحمودة تربية بين يدي العالم الصديق فتأدب يا غافل عن ملاحظة الحقائق ( معذرة ) اعتذر بها عن أصحابنا في تسميتهم صاحب المقام الذي ذكرناه آنفا عارفا ولم يسموه عالما كما قررنا وهو كان الأولى والأسد من كل وجه ولا عذر لمن تحقق بالمقام المذكور في حيدته عن اسم العالم إلى العارف فإن الحكم يتوجه عليه في دعواه بلسان قل اللّه ثم ذرهم ويمشي حاله على الأدب الإلهي كما يعطيه المقام ولكن غلبت عليهم ( رضي اللّه عنهم ) الغيرة على طريق اللّه لما رأوا أنه قد شاع في العالم أن يسمى عالما من كان عنده علم ما من العلوم وإن كان قد أكب على الشهوات وتورط بالشبهات بل في المحرمات وآثر القليل على الكثير قل متاع الدنيا قليل وهو عالم بهذا فعمر دنياه وخرب آخرته فهذا شخص تناقض أفعاله أقواله وهو من الثلاثة الذين تسر بهم النار قبل كل كما صح في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة ثم أنه إن تاب ورجع فإن النفس مالكة له وحاكمة عليه فغاية مجاهدته وغايته أن يقنع بحظ ما دنى من الجنة على أنه ليس ثمة من دنى ومع هذا كله يطلق عليه اسم العالم فرأوا ( رضي اللّه عنهم ) أن المقام العالي الذي حصل لهم ولساداتهم كان أولى باسم العلم وصاحبه بالعلم كما سماه الحق فأدركتهم الغيرة أن يشاركهم البطال في اسم واحد فلا يتميز المقام ولا يقدرون على إزالته من البطال لإشاعته في الناس فلا يتمكن