ابن عربي
270
مجموعه رسائل ابن عربي
نفسه حالا وعلما كما قلنا في مشاهدته ربه فإنما يتعلق هنا بمعلوم معدوم غير موجود رأسا فإذا تقرر هذا وقد تبيّن أنه الحق فهو صاحب فائدتين فائدة المعاينة وفائدة اللذة والمعرفة التي تصل له عند المعاينة ببقاء الرسم في المشاهدة وصاحب فائدتين هو العالم لتعلق العلم كما قلنا بالمفعولين ومن لم يتحقق بهذا المقام فهو العارف ذو الفائدة الواحدة من هاتين الفائدتين التي للعالم كما تقدم فلو صحت الموافقة مع الحق كما ذكرناه في نجم العناية المتقدم لتصح التوفيق في عالم الشهادة وكنا نقول بفضل العلم على المعرفة والعالم على العارف . تنبيه : الكلام الذي ذكرناه على سهل ( رضي اللّه عنه ) حكاه القاضي الزاهد أبو عبد اللّه الحسين بن موسى السلمي النيسابوري في إيضاح الطريق في أصول أهل التحقيق المسلمين بالملامية له والكلام الذي ذكرناه عن الجنيد في سهل مذكور في كتاب منتخب الأسرار في صفة الصديقين والأبرار والكلام الذي ذكرناه عن أبي العباس السياري مذكور في رسالة أبي القاسم للقشيري ( تأييد وسلطان ) . ومما يؤيد ما ذكرناه في حق للعارف أنه دون العالم للصديق لو شرح اللّه صدر من فضله على العالم وتأدب مع الحق تعالى إذ هم أهل الأدب معه بشرط الحضور أن اللّه تعالى ما سمي عارفا إلّا من كان حظه من الأحوال البكاء ومن المقامات الإيمان بالسماع لا بالأعيان ومن الأعمال الرغبة إليه سبحانه والطمع في اللحوق بالصالحين وأن يكتب مع الشاهدين فقال تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ولم يقم علموا فوصفهم بالمعرفة يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فأخبر تعالى أن سماعهم من الكتاب الكبير لا من أنفسهم ومعنا إشارة يفهمها أصحابنا ثم قال فأثابهم ولم نشك أن الصديقية درجة فوق هاتين الصفتين اللتين طلب العارف أن يلحق بهما فهو دونهما وقد سمي عارفا وقال تعالى : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ فانظر إلى هذه الدرجات ثم لتعلم أن الشهداء الذين رغب العارف أن يلحق بهم هم العاملون على الأجرة وتحصيل الثواب وأن اللّه عز وجل قد برأ الصديقين من الأعواض وطلب الثواب إذ لم يقم بنفوسهم ذلك لعلمهم أن أفعالهم ليست لهم أن يطلبوا عوضا بل هم العبيد على الحقيقة والأجراء مجازا قال عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ولم يذكر لهم