ابن عربي
260
مجموعه رسائل ابن عربي
والحفظ الإلهي حفظ اللّه علينا الأوقات وعصمنا من نتائج الغفلات إنه جواد بالخيرات فالتوفيق يا بني هو العناية التي للعبد عند اللّه تعالى قبل كونه المتفضل به عليه عند إيجاده إياه وتعلق خطابه به قال اللّه تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ فصحت لهم هذه القدم قبل كونه حيث لا قبل في علم اللّه تعالى خصوصية منه جل علاه لهم وهي الرحمة التي كتبها على نفسه فلما أوجدهم في أعيانهم بصفة الجود وأبرزهم في الوجود تولاهم بلطفه فحققهم بحقائق التوفيق وبين لهم الطريق الموصلة إليه كما بينه للأنبياء بواسطة ملائكته ولأوليائه بواسطة أنبيائه والملائكة بالجبلة التي أوجدهم عليها فاهتدوا على أوضح منهاج وعرجوا على أنجح معراج فما زال التوفيق يصحبهم في كل حال ويقودهم إلى كل عمل مقرب إلى اللّه عزّ وجلّ من أعمال القلوب والنفوس والمعاملات المتوجهة على الحواس حتى انتهى بهم فوق الهمم وأنزلهم في حضرة الجود والكرم فغرقوا في بحار المنن والآلاء من نعيم جنان ومضاهاة استواء على قدر ما أراده تعالى أن يمنحهم من نعمائه جنان يهبهم من رحمائه فعاينوا عند ذلك تولي الحق لهم في ذلك ولم يكونوا شيئا مذكورا ثم استصحاب التولي لهم في محل الدعاوي بتقديسهم عنها فأرادوا الشكر فمنعتهم الحقيقة وكان الشاكر هو المشكور والذاكر هو المذكور فعجز العبد عن الثناء والحمد مع غاية الجد في ذلك والجهد ووقفوا في موقف الحيرة لما رأوا الحال فوق الثناء ثم رأوا أن الذي حصل لهم من الثناء عليه سبحانه وتعالى إنما هو من عنده أثنى على نفسه بفعله قال تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فالقليل معار عندنا وهبناه عناية منه والكثير لم نصل إليه فليس لنا شيء ندعيه فالمحقق شيخ منحوت إلّا أنه مبخوت وصاحب الدعاوي كذلك إلّا أنه ممقوت قال الصادق في هذا المقام ( ص ) لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال الصديق ( رضي اللّه عنه ) العجز عن درك كما الإدراك ولنا في هذا أبيات : قل لامرىء رام إدراكا لخالقه * العجز عن درك الإدراك إدراك من دان بالحيرة للغراء فهو فتى * لغاية العلم بالرحمن دراك وأي شخص أبى إلّا تحققه * فإن غايته جحد وإشراك فالعجز عن درك التحقيق شمس ضحى * جرت به فوق جو النسك أفلاك مبادئ التوفيق ومواسطة وغاياته : اعلم يا بني أن التوفيق قائد إلى كل فضيلة وهاد إلى كل صفة منجية وجالب كل خلق رضي يجلو البصائر ويصلح