ابن عربي
261
مجموعه رسائل ابن عربي
السرائر ويخالص الضمائر ويفتح أقفال القلوب ويزيل ربونها ويخرجها من أكنتها ويهبها أسرار وجودها ويعرفها بما تجهله من جلال معبودها هو الباعث المحرك لطلب الاستقامة والهادي إلى طريق السلامة ما اتّصف به عبد إلّا اهتدى وهدى ولا فقده شخص إلّا تردى وأردى فنعوذ باللّه من الخلاف وله مبدأ ومتوسط وغاية فمبدأه يعطيك الإسلام ومتوسطه يعطيك الإيمان وغايته تعطيك الإحسان فالإسلام يحفظ الدماء والأموال والإيمان يحفظ النفوس من ظلم الضلال والإضلال والإحسان يحفظ الأرواح من رؤية الأغيار ويهبها المراقبة والحياء على الكمال فالنفس تتنعم بشهواتها في الجنان والعين تتنعم بلذة مشاهدة الرحمن والروح تتنعم بحقائق الامتنان فانظر يا بني ما أوصلك إليه التوفيق فمن دعا لك بالتوفيق في جميع الأحوال فما ترك لك شيئا من الخير إلّا أعطاك إياه فلا ترده فمبدؤه يعطيك العلم والعمل ووسطه يطهر ذاتك من دنس الأغراض والعلل وغايته تمنحك أسرار الوجود والأزل وليس وراء اللّه مؤمل يؤمل مبدؤه يفنيك عن حسك ووسطه يفنيك عن نفسك وغايته تجود عليك بشمسك مبدؤه يعطيك الكرامات ووسطه يفنيك عن الصفات وغايته تنعمك بالذات مبدؤه يشهد لك بالجنان ووسطه يشهد لك بالعيان وغايته تشهد لك بفناء الأعيان فسبحان المتفضل المنان إنه بعباده رؤوف رحيم . تقسيم : التوفيق وفقك اللّه تعالى على قسمين في أصله عام وخاص فالعام هو الذي يشترك فيه جميع الناس كافة من المسلمين وغيرهم وهو على ضربين منه ما يوافق الحكمة بما هي حكمة ومنه ما يوافق الأغراض فالتوفيق الذي يوافق الأغراض كرجل أي رجل كان على أي دين كان حفر بئرا على قارعة الطريق بأرض لا ماء فيها فهذا وافق غرض كل ما بذلك الموضع والتوفيق الذي يوافق الحكمة كمن يفرق بين الأشياء لما يرى بينها من المسافة وأصلها إعطاء كل ذي حق حقه كرجل مثلا رأى شخصا يتناول شرب الماء بالمنخل ويحاول تصفية الدقيق بالقدح فيأخذ الدقيق فليقيه في المنخل ويأخذ الماء ويجعله في القدح ويقول إنما جعل هذا لهذا وهذا لهذا هكذا في جميع الأشياء العلمية والعملية فهذه موافقة الحكمة . والخاص هو الذي يخرجك من الظلمات إلى النور وينتهي بك إلى السعادة الأبدية على مراتبها وإن دخل النار وهذا أيضا عام وخاص فالعام كالإيمان باللّه وبرسوله وما جاء به والخاص كالعمل بالعلم المشروع وهو أيضا عام وخاص فالعام كأداء الفرائض كما قال ضمام بن ثعلبة السعدي لرسول اللّه ( ص ) حين سأله عن الواجبات فأجابه رسول اللّه ( ص ) فقال هل على غيرها قال لا إلّا أن تطوع فقال واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه ولم تكن غير الفرائض الخمس