ابن عربي

395

مجموعه رسائل ابن عربي

ثم أن القلب إن غلب عليه التوجه إلى عالم الشهادة تصرف بالجوارح ، فصار يرى بالعين ، ويسمع بالأذن ، ويبطش باليد ، وهو مثل قوله تعالى : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ « 1 » وإن غلب على القلب التوجه إلى عالم الغيب استتبع الجوارح ، فصارت هي متصرفة به ، فتصير العين تبصر بالقلب ، وكذلك باقي الحواس والجوارح ، وهو مثل قوله : - كنت سمعه الذي يسمع به - إلى آخره فافهمه ، فإنه بديع ، وسيأتي إن شاء اللّه في التفصيل ما يؤيده ويزيده وضوحا ، وبهذا يتسع لك فهم ما جاء من الجوارح منسوبا إلى أفعاله تعالى وصفاته ، فلا تشتبه بعد هذا عليك ، ولا تفهم من نسبتها إليه تشبيها ولا تجسيما ، بل تفهم ان مثل النسبة إليه فيها كمثل نسبة الجوارح للقلب ، وان ذاته المقدسة متعالية عن الاتصاف بها لأن الجوارح يلزمها الحدوث ، وذاته تعالى واجبة القدم ، وكل ما كان واجب القدم : استحال عليه العدم . وإنما الروح الأصلي الذي هو منشأ عالم الأمر هو مصباح نور التوحيد ، قال تعالى : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا « 2 » وبهذا الروح يتجلى سبحانه لعباده بأسمائه وصفاته المحكمة والمشابهة . ومن المعلوم أنه قد ثبت قوة التطور في الصور المختلفة للملائكة ، وهم من رقائق هذه الروح ، فلأن يكون له قوة التجلي بأي صورة شاء أولى ، وتصح نسبة تلك الصورة إلى اللّه لتجليه فيها ، كما سيأتي تحقيقه في صفة المجيء والصورة وغيرها . وها أنا إن شاء اللّه تعالى أشرع في تفصيل الصفات المتشابهة ، وليس المقصود ذكر البراهين التي هي مدونة في الكتب الكلاميّة ، وإنما المقصود « رد المتشابه إلى المحكم » على القواعد اللغوية ، وعلى مواضعات العرب ، وما كان يفهمه الصحابة والتابعون من الكتاب والسنة ، وتلويحات وتصريحات من الكتاب والسنة . هذا تمام المقدمة ، ولنشرع في التفصيل ، مع بسط يد الفاقة والافتقار ، عسى أن يهديني ربي سواء السبيل .

--> ( 1 ) سورة التوبة ؛ الآية : 14 . ( 2 ) سورة النحل ؛ الآية : 2 .