ابن عربي
299
مجموعه رسائل ابن عربي
الخضوع ، فقلنا له : « هذا فعلك على النصف ، فكيف لو اجتمع الموصوف بالوصف » وبين يديه صورة ينشؤها وبنية يهيؤها ، قد زينها أحسن تزيين ، وأسرى في مسالكها أحوال التلوين ، وأرسلها في الكون محبوبة إلى كل عين ، تسحر الناظر ، وتقيد الخاطر ، وتعطي اللذة قبل النيل ، وتحير السمع في ترجيع القول : إن غنت : غنت ، وإن نظرت : سحرت ، وإن لمست أبلست ، وإن ملكت : فتكت ، وإن لعبت : أتعبت ، وإن لهت ولهت ، وإن عرفت : أرعفت : على رأسها تاج من الغمام وعلى جبينها أكليل من الدر التام ، وفي أصبعها خاتم الحمام : إن هجرت : أقبرت ، وإن وصلت قتلت . إلّا أن لها سياسة مدنية ، ورئاسة إنسانية ، تتواضع فتهتك السرائر ، وتترافع فتتعب البصائر ، والهيبة منوطة بذاتها ، والجلال من جملة صفاتها . فبينا أنا أنظر في جمالها ، وأهيم بين دلها ودلالها ، إذ أقيمت صلاة المغرب ، فقالت : ( قم لمشاهدة الأمر المغرب ) « 1 » فقمت . وقد رويت أبياتا من الشعر في أنزه ما يكون في المغرب من الأمر ، في غيابات السر ، وهي هذه [ الأبيات : رب يسر كل عسير ] « 2 » : أفلت شمسنا بمغرب ذاتي * فدعاني إلى الصلاة الشهيد فتوضأت ثم جئت إليه * من قريب ، وأنه لبعيد قلت : ربي ، فقال لبيك عبدي * أين حمدي فقلت : أنت الحميد فافتتحنا به ، فرد علينا * [ مثله ] « 3 » وأكتفى ، وكان المزيد وتدانى ، فكان مني كأني * ثم ولى فقلت : أين تريد ؟ قال : تمضي ، فإن قومك جاءوا * ومقامي مع الكيان شديد قم فحييهم ، فقلت : السلام « 4 » * وبقلبي من الفراق : وقود ما ألذ الخلو باللّه ليلا * لو تصح العصور « 5 » صح الوجود فاستمع رمز ما أغار عليه * يا حبيبي ، وأنه لكنود « 6 »
--> ( 1 ) في المطبوعة : ( قم نشاهد الأمر المغرب ) والمعنى : نشاهد الأمر الذي يدعو إلى الغرابة ، أو الاستغراب . ( 2 ) ما بين القوسين من المطبوعة . ( 3 ) ما بين القوسين من المطبوعة . ( 4 ) في المطبوعة : « فقلت سلاما » . ( 5 ) في المطبوعة : « المقصود » : ولا تعطي معنى صحيحا . ( 6 ) في المطبوعة : « وأنني لكنود » والكنود : كافر النعمة .