ابن عربي
300
مجموعه رسائل ابن عربي
يشبه العسجد الكريم وجودي * وهو شخص وجدي : منه الوريد لو رأى عالما به ، لا بذاتي * لتوالى علي منه الشهود فأنا عالم به وبذاتي * فوصال . وقتا ، ووقتا صدود فلما كبرنا : كبرنا ، فلما قرأنا أنبئنا ، فلما ركعنا رفعنا ، فلما رفعنا وضعنا ، فلما سجدنا : شهدنا ، فلما جلسنا يئسنا ، فلما سلمنا : حكمنا ، فلما فرغت الصلاة وأجيبت الدعوات ، قمت إلى منبر من الياقوت الأكهب « 1 » بخطبة ذهبت فيها أحسن مذهب ، وقلت : « الحمد للّه الذي - أحسن كل شيء ، وبدأ خلق الإنسان من طين . ثم يواه ونفخ فيه من روحه - المسكين « 2 » فلما أقامه في أحسن تقويم ، رده إلى أسفل سافلين ، فلما أناطه بالمركز ليقيم به دولة العز : أعطاه سر التدبير والتفصيل ، ووهبه في كل ما علمه قوة التحصيل ، فما بقي روح مجرد إلّا سجد ، ولا ريح معبد إلّا شهد ، ولو تكبر وجحد ، ولا صامت إلّا تكلم ، ولا مائت « 3 » إلّا حيا وسلّم : فإنه النور الأعلى ، والقطعة المثلى ، ولولا ما هو من ذلك المقام ما أنقادت لسلطانه الروحانيات الجسام ، فشقت هذه السدفة الترابية أنواره ، وتخللت مسالكها أسراره ، ونفدت إلى حضرة توحيد موجودها ، وعاينت كريم مشهدها ، من غير أن تؤثر فيها هذه الظلمة ، لما هي عليه من نفوذ الهمة ، فأقرت الأرواح المجردة بعلو منصبها ، واعترفت بسمو مذهبها ، وأن لها أرفع المناصب ، وأشرف المناسب ، ثم اختصت دونها بالمكاسب ، وتعظمت لديها المواهب ، فكم روح مجرد تكلم فيها بما لا يعلم ، قبل أن يعلم منها ما علم ، ثم أقر لها بعد ذلك بكمال المقام ، وأن الروح المجسد له الكمال والتمام ، وحسن التقويم والنظام ، ثم صبغها في الجمال العرضي للتعشق الغرضي ، فعشقت نفسها بنفسها ، حتى لا تتعلق بغير جنسها فتذعن لغير الجنس ، فكان يذهب عنها ما كان لها من العز بالأمس ، ويظهر التيه عليها ممن نقص عن مقامها ، وتقاصر عن تمامها ، فبقيت بذلك عزتها عليها موقوفة ، وهمم غير جنسها إليها بالخدمة
--> ( 1 ) الأكهب : الأغبر ، المشرب بسواد ، أو الأدهم ، ( كذا من هامش المطبوعة ) . ( 2 ) الضمير راجع إلى الإنسان والتقدير : ثم ، وبدأ خلق الإنسان المسكين من طين ، وفي المطبوعة : « المكين » بدل « المسكين » . ( 3 ) في المطبوعة : « ولا ميت » .