ابن عربي

278

مجموعه رسائل ابن عربي

حافظ ، ولا مجلس إلّا وفيه واعظ ، فمما رأيت فيه : نهرا عظيما يجري منه وينتهي فيه ، ينبعث من صهريج محكم البناء ، يخرج منه ترع لمزارعهم وجداول لسقي أشجارهم وبساتينهم ، فإذا كثرت الأمطار عليهم ، وترادفت السيول ، وعظمت الترع والجداول ، وسالت الجعافر والمذانب « 1 » خافوا على أنفسهم الدمار ، لترادف تلك السيول ، وتوالي الأمطار ، ولهذه الأنهار أسداد مدبرة محكمة ، لا يقوى كل أحد على فتحها ، إلّا العالمون بذلك . وإلى جانب ذلك الجبل قرية فيها عالم حكيم صنع « 2 » اسمه مالك قد ورث فتح تلك الأسداد عن الآباء والأجداد ، فيفتح منها بصنعة معلومة ما يخاف منه ، فينتشر على الأرض ، فيغيض الماء ، وتقلع السماء ، فتصلح الأحوال بوجود الاعتدال فإن النقص والتطفيف سبب البوار ودليل الدمار . فأخبرني الصاحب أن ذلك الماء لما أخرجه الحكيم في ذلك الجبل ، وأجراه وأقام مجراه سواه كالأصاد ، وأوقف منفعته على الاقتصاد ، وضرب لابتداء جريته ميقاتا ، وربط لايجاد أقوات ما يعطيه أوقاتا ، فمن عرف ما أودع في تدبيره الحكيم من العلوم ، دبر منه حكمته بصنعة تقويمية « 3 » ينظر إليها روحانيات النجوم . ومما رأيت في ذلك الجبل : صهريجا معلقا في الهواء عليه قبة عظيمة محكمة البناء ، يسقط من تلك القبة حجارة رخوة ، بصنعة هندسية روحانية ، في ذلك الصهريج ، وفيه سرب منته إلى صهريج آخر معلق في الهواء ، ترسب تلك الأحجار فيه ، فتنتقل ، وعندهم نهر يسمى : النهر الغريب ، يجري في أوقات مدبرة في سرب ، حتى ينتهي إلى ذلك الصهريج ، فإذا امتلأ طفت الحجارة على وجه الماء ، وذلك الصهريج مصنوع من الكبريت ، فيعود ذلك الماء حميما ، فتطبخ تلك الأحجار ، فتكون منها الحكمة ، وهي التي تسمى الكيمياء ، وما نزل عن روحانيتها صار ثفلا وماء ، فلا تزال هكذا أبدا . ورأيت في ذلك الجبل : مرجلا ، على صورة الإنسان ، له سربان : كبير

--> ( 1 ) الجعفر : النهر الصغير ، والمذانب : جمع مذنب وهو : الموضع الذي ينتهي إليه سيله . ( 2 ) صنع : بضم الصاد وفتح النون . ( 3 ) في المطبوعة : « فمن عرف ما أودع في تدبيره الحكيم تدبر منه كحمته بصنعة قيومية » .