ابن عربي

264

مجموعه رسائل ابن عربي

خطيب الأشقياء استوى الخطيب الناطق على سريره : ذليل النفس ، وقام وزراءه بين يديه في أضيق حبس ، وقال : « الحمد للّه المنزه في علوه ، المقدس في سموه ، الذي لا يحده مكان ولا يحويه زمان ، ولا يقيده آن ، ولا تختلف عليه الحالات ، ولا يتعذر عليه حل الأمور المشكلات ، تنزه عن الحد والمقدار ، واتصف بالإرادة والاختيار ، وتقدس عن الحركة والإنتقال ، وتعالى عن الأشكال والأمثال ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاته ، ولا يشبهه مخلوق في صفاته : أيها الحاضرون الخاسرون : سمعا « 1 » : أنتم الذين ضل سعيكم في الحياة الدنيا وأنتم تحسبون أنكم تحسنون صنعا أنا الذي سلكت بكم مسالك الغي والضلال ، وقررت في نفوسكم كل ما هو على اللّه محال ، وزينت لكم سوء أعمالكم ، وأعميت عليكم ضرر أحوالكم ، فبئس المعلم كنت فيكم ، وبئس ما قبلتموه ، فبئس الوارد الذي قد وردتموه ، شبهتهم معدبكم سبحانه وتعالى بذواتكم ، وجعلتم كلامه ككلامكم في حروفكم وتقطيع أصواتكم ، تكتبون حروف المصحف بآلات موضوعة وأدوات مصنوعة ، ثم تصنعون تلك الحروف التي صنعتموها بالقدم ، وتدعون أنكم في ذلك على الطريق الأتم « 2 » وأنكم قد فضلتم بهذا الاعتقاد على سائر الأمم ، ( ثم ) « 3 » عمدتم إلى خالقكم وعلامكم ، وجعلتم له أجساما كأجسامكم ، وجوارح كجوارحكم ، وصورة كصورتكم ، وتبشبشا كنيشبسكم ، وقدما كقدمكم ، وفرحا كفرحكم ، واستواء كاستوائكم ، وضحكا كضحككم . وأصل ضلالكم ( في ) « 4 » هذا كله من أضلالي ، ومن زور قولي لكم ومحالي ، فلعنكم اللّه من أتباع » . فيقولون : « لعنك اللّه من متبوع غوى ، أورثنا اتباعه عذابا لا يستطاع » .

--> ( 1 ) مفعول لفعل محذوف تقديره : أعيروني . ( 2 ) في المطبوعة : « الأمم » وكلا اللفظين صحيح المعنى ومستقيم ، إذا الطريق الأمم : المقصود ، و « الأتم » التامة المعبدة . ( 3 ) ما بين القوسين من المطبوعة . ( 4 ) ما بين القوسين من المطبوعة .