ابن عربي

263

مجموعه رسائل ابن عربي

زكاتهم فقدس ذواتهم ، وآمنوا بالرسل فأوضح لهم السبل ، وعزروهم فعزروا ، وأقرضوا اللّه قرضا حسنا فوفاهم سرا وعلنا من كونه محسنا ، فلما استوى على سرير ملكه افأثر ، وكان الإمام المكبر ، نظرت العقول في آياته ، وما أودع الرحمن من التكوينات في حركاته ، وأنتم أيها الحاضرون المصطلون الأخيار ، والمقربون المجتبون الأبرار ، أتذكرون إذ أبنت لكم في الدار الدنيا عن استواء الرحمن : أنه ليس كاستواء الأكوان ، وأنه لو جلس عليه جلوسا كما يدعيه المشبهة لحده لمقدار ، وقام به لافتكار إلى مخصص مختار ، لا تحيط به الجهات والأقطار ، والافتقار على اللّه محال ، والاستقرار بمعنى الجلوس عليه محال ، ولا سبيل إلى هذا الاعتقاد بحال ، وما بقي لكم فيه سوى أمرين مربوطين بحقيقتين . الأمر الواحد : أن يصرف لفظ ذا الاستواء إلى الاستيلاء . والأمر الآخر : أن يؤمن بها كما جاءت ، من غير تشبيه ولا تكييف ، ونصرف العلم بها إليه ، فإنه أسلم بالمؤمنين عند قدومهم عليه ، ولهذا يختم المنزه تأويله بقوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ لمعرفته بأن التنزيه قائم بذاته ، ولكن صرف هذه الآية إلى هذا الحكم خاصة لا يلزم ، وعرفتكم أن أسماء اللّه تعالى لها حقائق ورقائق ، وأن بامتداد تلك الرقائق المعنوية المنزهة الأقدسة ، يظهر فيكم سلطانها ، ويضلكم ويهديكم إغماضها وتبيانها ، وقلت لكم : تحفظوا من مكر اللّه في التأويل واستدراجه ، وأسألوه لثبوت والإستقامة على منهاجه ، وطهروا قلوبكم بماء التقديس والتنزيه ، من التجسيم والشبيه ، فإنه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ويستوي ، وينزل ، ويجيء ، وهو في السماء والأرض كما قاله ، وعلى المعنى الذي أراده من غير تشبيه ولا تكييف ، وهو العليم القدير . على هذا دللتكم ، وإليه دعوتكم ، فأوصلكم استعمال ذلك إلى ما أنم فيه الآن من النعيم المقيم ، في دار القرار ، واختصكم بلذة الجوار ، فانعموا بخير جار في خير دار « فيقولون » صدقت الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ ورضي اللّه عنك رضاء لا سخط بعده ، وجازاك عنا أفضل ما جازى به ناصحا ، وجعلك لكل باب مقفل من التجليات الإلهية فاتحا .