ابن عربي
84
مجموعه رسائل ابن عربي
قال الراهب : في خلاف الهوى . قال : فما خير الزاد ؟ قال : التقوى . قال : تباعدت عن الناس ، وتحصنت في هذه الصومعة « 1 » ؟ قال : مخافة على قلبي من « معاشرتهم » وحذرا على عقلي : أجيره من سوء عشرتهم ، وطلبت راحة نفسي عن مقاساة مداراتهم « 2 » ، وقبيح فعالهم ، وجعلت معاملتي مع ربي ، فاسترحت منهم . قال : فخبرني يا أحد أتباع المسيح « 3 » ، كيف وجدتم معاملتكم مع ربكم ، وأصدق القول لي ، ودع عنك تزويق الكلام ، وزخرف القول . فسكت الراهب طويلا ، ثم قال : شر معاملة تكون . قال له : كيف ؟ قال : لأنه أمرنا بالكد للأبدان ، وجهد النفوس ، وصيام النهار ، وقيام الليل ، وترك الشهوات المركوزة في الجبلة ، ومخالفة الهوى الغالب ، ومجاهدة العدو المسلط ، والرضي ، والخشونة في العيش ، والصبر على الشدائد والبلوى .
--> ( 1 ) هكذا هي المخطوطة ، وهي استفهام بالأسلوب . ( 2 ) المدارة نوع من الممارسة في الشيء ، وهي تحتاج إلى عقل رصين يحسن صاحبه كيف يتفادى الناس ولا يجاريهم في سفههم . ومن لم يمارس في أمور كثيرة * يضرس بأنياب ويوطء بمنسم ( 3 ) من كان بهذه الصفة التي ذكرها ذلك الراهب : كان من أتباع المسيح ( ع ) حقا ، وليس من الشياطين والأبالسة الذين نراهم اليوم . وسترى فيما بعد أنه أسلم بمجرد الدعوة ، لأنه العقيدة واحدة .