ابن عربي
68
مجموعه رسائل ابن عربي
وينبغي لمحب الكمال أن يجعل همته فعل الخير مع جميع الناس ، وإنفاق ما يفضل من ماله فيما يبقى له الذكر الجميل بعد موته ، ويتحرز من فعل الشر ، فإنه إذا حاسب نفسه : علم أن من فعل الشر فإنه يفعله لخير لا يعتقد « 1 » أنه يصل إليه ، وربما كان غالطا . وإذا علم أن الأمر على هذه الصفة كان واجبا عليه أن يطلب الخير الذي يرومه من طريق غير طريق التشرر ، إذا كان هو الغرض المطلوب : لا فعل الشر . فأما إن كان تشرره يلحقه أسفا وغيظا ، فليعلم أنه إذا سكن غيظه ، وجد ذلك المقصود بالشر : غير مستحق لذلك الفعل ، ففعل الشر قبيح ، وخاصة بمن قد جمع الفضائل . إلّا أن يكون ذلك الشر تأديبا على جرم ، واقتصاصا من جان ، فإن هذه الحال مستحبة محمودة ، بل لا يعد شرا ، لأن ذلك الشر إنما يصل إلى الجاني فقط ، ويكون منه نفع عام لجميع الناس ، بأن يرتدع أمثاله من الجناة ، وتكون المنفعة فيه أكثر ، من أجل ذلك لا يعد شرا . وإذا اعتمد الإنسان فعل الخير ، وألفه ، وتجنب الشر ، واستوحش منه : لانف من الأخلاق المكروهة ، التي تعد شرا كالحسد ، والحقد ، والخبث ، والخديعة ، والنميمة والعيبة . والواقعية ، وأمثال هذه العادات . وإذا فكر العاقل المحصل فيها : علم أنها غير مجدية عليه نفعا ، وهي مع ذلك تشينه وتقبح صورته . وإذا كان محبا للتمام ، مستشرفا للكمال ، كان واجبا عليه تجنب هذه الأخلاق .
--> ( 1 ) في الأصل المطبوع « ليعتقد » .