ابن عربي

69

مجموعه رسائل ابن عربي

وينبغي لمحب الكمال : أن يعتقد أنه ليس شيء من العيوب والقبائح خافيا عن الناس ، وإن اجتهد صاحبها في سترها ، فلا يطمع نفسه في ارتكاب فعل قبيح يظن أنه ينكتم عن الناس ، حتى لا يقف عليه أحد « 1 » . ويجب أن يعلم أن الناس بالطبع موكلون بتتبع عيوب الناس : وتعييرهم بها ، وذلك في الناس غريزة ، والسبب فيه أن الإنسان ما لم يبلغ التمام ، فليس يخلو من تقصير يعاب به ، ويسوؤه أن يكون غيره أفضل منه ، فهو يسر أن يكون الناس كلهم نقصاء ، ليساووه في النقص ، ويخلوا دونه ، فهو أبدا يتتبع معايب الناس ، ويعيرهم بها ، ليرى الناس أنه أفضل ممن فيه ذلك العيب ، ويشعر نفسه أيضا ذلك ، لتطيب بما فيها من العيوب . فليس شيء من العيوب بخاف عن الناس ، وإن اعتمد ستره . وقد يظن كثير من الملوك والرؤساء : أن عيوبهم مستورة عن الناس ، غير بادية ، وذلك لموضع هيبتهم ، وعظم سطوتهم ، يستشعرون أن حاشيتهم وخواصهم لا يجسرون على إظهار أسرارهم إن وقفوا على شيء منها ، وهذا نهاية الغلط ، لأن خواص الملك وحاشيته ، كما أنهم عنده ثقات أمناء ، كذلك لكل واحد منهم خاص وثقة يخرج إليه بأسراره ، والذي لا يستر أسرار نفسه ، فمحال أن يستر أسراره غيره « 2 » .

--> ( 1 ) مصداق قول رسول اللّه ( ص ) : « لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ، ليس لها باب ولا كوة ، لأخرج عمله للناس كائنا من كان » رواه الإمام أحمد ، وأبو يعلى ، وابن حبان ، والحاكم . ( 2 ) إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه * فصدر الذي يستودع السر أضيق