ابن عربي

67

مجموعه رسائل ابن عربي

وينبغي لمحب الكمال أيضا أن يعود نفسه محبة الناس اجمع ، والتودد إليهم ، والتحنن عليهم ، والرأفة والرحمة بهم ، فإن الناس قبيل واحد ، متناسبون ، تجمعهم الإنسانية ، وحلية القوة الإلهية هي في جميعهم ، وفي كل واحد منهم ، وهي النفس العاقلة ، وبهذه النفس صار الإنسان إنسانا ، وهي أشرف جزئي الإنسان : الذين هما : النفس والجسد ، والإنسان بالحقيقة هو « 1 » : النفس العاقلة ، وهي جوهر واحد في جميع الناس ، وكلهم بالحقيقة شيء واحد ، والأشخاص كثيرون . وإذا كانت نفوسهم واحدة ، والمودة إنما تكون بالنفس ، فواجب أن يكونوا كلهم متحابين متوادين ، وذلك في الناس طبيعة ، لو لم تقدهم النفس الغضبية ، فإن هذه النفس تحبب لصاحبها الترأس ، فتقود صاحبها إلى الكبر والإعجاب والتسلط على المتضعف ، واستحقار الصغير ، وحسد الغني وذي الفضل ، فتنشأ من أهل هذه الأسباب : العداوات ، وتتأكد البغضاء بينهم ، فإذا ضبط الإنسان نفسه الغضبية ، وإنقاد لنفسه العاقلة صار الناس كلهم له أحبابا ، وإخوانا . وإذا أعمل الإنسان فكره : رأى ذلك واجبا ، لأن الناس إما أن يكونوا فضلاء ، أو نقصاء . فالفضلاء تجب عليه محبتهم لموضع فضلهم ، والنقصاء تجب عليه رحمتهم لموضع نقصهم . فيحق لمحب الكمال : أن يكون محبا لجميع الناس ، متحننا عليهم رؤوفا بهم ، وخاصة الملك والرئيس ، فإن الملك ليس يكون ملكا ما لم يكن محبا لرعيته ، رؤوفا بهم ، وذلك أن الملك ورعيته بمنزلة رب الدار ، وأهل داره ، وما أقبح رب الدار أن يبغض أهل داره ، ولا يتحنن عليهم ويحب مصالحهم .

--> ( 1 ) في الأصل : « هي » .