ابن عربي
66
مجموعه رسائل ابن عربي
والإيثار به ، وإن كانوا محتاجين إليه ، وكلما كانت حاجتهم أشد ، كان ذلك الفعل حسنا ، وهذه الحال مستحسنة ، إذا رأى الرجل أخا من إخوانه ، أو صديقا يختص به ، وقد دعته الحاجة إلى ما لا يقدر عليه لإصلاح شيء من شأنه ، أو لدفع محنة نزلت به ، وكان هو قادرا على ذلك القدر من المال ، فيبتدي بإسعافه : عفوا من غير مسألة . وإن فعل هذا الفعل مع الغريب الذي لا يعرفه ، ولم تسبق له حرمة ولا مودة ، كان جميلا مستحسنا . وينبغي لمحب الكمال : أن يشعر نفسه أن الغضبان بمنزلة البهائم والسباع : يفعل ما يفعله من غير علم ، ولا روية . فإذا جرى بينه وبين غيره محاورة : أدت إلى أن يغضب خصمه ويتسفه عليه : اعتقد فيه أنه في تلك الحالة بمنزلة البهائم والسباع ، فيمسك عن مقابلته ، ويحجم عن الاقتصاص منه ، ألا يعلم أن الكلب لو نبح عليه ، لم يكن يستحسن مقابلته على نبحه ؟ وكذلك البهيمة لو رمحته ، لم يستحسن عقوبتها ، ؟ لأنها غير عالمة بما تصنعه ، إلّا أن يكون جاهلا ، فإن من السفهاء من يغضب على البهيمة إذا رمحته ، ويوجعها ضربا إذا آذنه ، وربما عثر السفيه فشتم موضع عثرته ، ورفسه برجله . فأما الحليم الوقور ، فلا يستحسن شيئا من ذلك ، وإذا استشعر في خصمه أنه بمنزلة البهائم : صار هذا الاستشعار منه طريقا إلى ضبط النفس الغضبية ، وزمها « 1 » وأن أذاه مؤذ بغير سفه . فيؤدي ذلك الأذى إلى حال يغضبه ، أنف أيضا من الغضب ، مع استشعاره أن الغضبان والبهيمة سواء ، فيعدل حينئذ إلى مقابلة مؤذية بما يقتضيه الرأي ، من حيث لا يظهر فيه غضب ولا سفه .
--> ( 1 ) إلزم : بالزاي ، هو شد الزمام ( المقود ) مأخوذ من زم البعير : إذا خطمه .