ابن عربي
64
مجموعه رسائل ابن عربي
وقد يستحسن من الإنسان أيضا - إذا كان مقلا - أن يواسي بطعامه إخوانه ، وإن كان محتاجا إليه ، ويستحسن منه أيضا أن يواسي به الفقراء والضعفاء ، وقد يستحسن منه أيضا أكثر من ذلك ، بأن يؤثر الإنسان بطعامه وشرابه غيره ، وإن كان شديد الاضطرار إليه ، وكان لا يقدر على غيره . وينبغي أيضا لمن طلب السياسة التامة : أن يستهين بالمال ويحتقره وينظر إليه بالعين التي يستحقها . فإن المال : إنما يراد لغيره ، وليس هو مطلوبا لذاته ، فإنه في نفسه غير نافع ، وإنما الانتفاع بالأغراض التي تنال به . فالمال آلة تنال بها الأغراض ، فلا يجب أن يعتقد أن اقتناءه وادخاره مفيد ، فإذا أدخر وحرص عليه : لم ينل صاحبه شيئا من الأغراض التي هو بالحقيقة محتاج إليها . فالمال هو مطلوب لغيره ، فينبغي للسديد الرأي ، العالي الهمة ، أن يزنه بوزنه ، فيكسبه من وجهه ، ويفرقه في وجهه ، ويكون مع ذلك ، غير متوان في اكتسابه ، ولا مقدم في طلبه ، لأن عدم المال بضطره إلى التواضع لمن هو دونه ، إذا وجد عنده حاجته ، ووجود المال يغنيه عن : من هو فوقه ، وإن دنت منزلته . ويكون - أيضا - غير مدخره ولا متمسك به ، بل يصرفه في حاجاته ، وينفقه في مهماته ، ويقصد الاعتدال في تفريقه ، ويحذر من السرف والتبذير في تخريجه ، ولا يمنع حقا يجب عليه ، ولا يصرفه في شيء لا يحب ولا يشكر عليه . وإذا فرغ من حاجته ، واستكفى من نفقاته ، وسد خلله « 1 » عاد إلى النظر في أمره ، فإن كان بقي من ماله بقية فاضلة عن مهم
--> ( 1 ) الخلل : بضم الخاء ، جمع خلة بفتح الخاء ، وهي : الحاجة .