ابن عربي

كتاب الشأن 17

رسائل ابن العربي ( دار احياء التراث )

أيام الدنيا قال تعالى ( لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) والكون لا يزال في الجنة محسوسا مشاهدا لأنها محسوسة والاستحالات فيها من لذة إلى لذة ومن نعيم إلى نعيم متجدد ( وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ) والتغيير فيها من صورة إلى صورة من حسن إلى أحسن ومن جمال إلى أجمل ومن كمال إلى أكمل وذلك لما أودع اللّه من الاسرار في هذه الحركة الفلكية ورتب فيها من الحكم والآيات والاخبار يقصد ما ذهبنا اليه مثل قوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) * ومن أكل شيئا فقد أزال نظم ذلك واحاله عن صورته إلى صورة أخرى وهذا هو المعبر عنه بالفساد في الاصطلاح واما نحن فنفر من هذه اللفظة ومن لفظة التعبير إلى التحويل وإلى التحليل والتركيب فما استحال عينه كان تحويلا وما تغير وصفه كان تحليلا أو تركيبا وقد يتجوز في التحويل إلى بقاء العين وتغيير الوصف ومما يعضدنا من الأخبار الصحيحة عن الرسول عليه السلام ان ما يأكلونه أهل الجنة لا يتغوطونه ولا يبولونه ولكن هو عرق يخرج من اعراضهم افوح من المسك واين التفاحة ولحم الطير من العرق فهذا تغيير وتكوين في الجنة فان العرق تكون ولحم الطير بالأكل تغير واستحال وكذلك التنوع في الصور التي يدخل فيها في سوق الجنة مثل تنوع الأحوال علينا اليوم في بواطننا ولا بد عند المحققين للعالم من هذا التحويل للمقام الإلهي الذي يعطيه منها قوله ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) فهذا تحول من صورة إلى صورة ومن امر إلى امر وكما قال النبي عليه السلام إذا تعوذت من اللّه طائفة عندما يتجلى لها في غير الصورة التي تعرفه فيها انه يتحول لهم في الصورة التي يعرفون فالتحول سار في العالم لابد منه وتجسد الروحانيات النارية والنورية غير منكور عندنا . فالتنوعات والتبدلات ينبغي للعاقل ان لا ينكرها وأهل الشأن الذي هو اللّه فيه في كل يوم إلا في مثل هذا فان للّه في حق كل موجود في العالم