ابن عربي
كتاب الجلالة 11
رسائل ابن العربي ( دار احياء التراث )
وقد عرف مأخذ العقول من اين هو ومن اين يركب براهينها وأدلتها فالقصور منوط والاقدام على هذه الأمور غير حسن وكل ما لا يمكن حصوله الا بالمشاهدة والرؤية أو التعريف فحصوله من غير هذه الطرق افتيات على المقام وحرأة . فالأولى بأصحاب العقول الوقوف والاقرار بالوجود واحكام الصفات ولا سبيل للتعرض لا لنفيها ولا لاثباتها فان العقل اعجز من أن يقف على مثل هذا بل على أقل شئ فانظر تسلط هذا الاسم العجيب والكلمة العجيبة على جميع العوالم بالحيرة والعمى فيه فأصحاب العقول انظر ما أشد حيرتهم ما اجتمعوا على شئ لا المثبتين ولا غيرهم من النفاة وأصحاب المشاهدات قد ظهر إليهم ووقع الانكار والعياذ منه حين لم يوافق صورة معرفتهم به فمعرفتهم به رأوا وهو الظاهر لم يزل لكن إذا كان مطلوبك في المرآة ان ترى فيها وجهك فلم تأتها على التقابل بل جئتها على جانب فرأيت صورة غيرك فيها فلم تعرفها وقلت ما هذا أردت فقابلتك المرآة فرأيت صورتك فقلت هذا صحيح فالعيب منك لا من المرآة . ولما قيدت الطلب بصورة معقولة فاتك خير كثير فقد صار أهل المشاهدة في حيرة أشد من حيرة أصحاب العقول مع المشاهدة وكذلك أصحاب الرؤية أول رؤية تقع لهم فان الرؤية خلاف المشاهدة ولهذا جاء الخبر بالرؤية غدا لا بالمشاهدة وقد ذكرنا هذا الفصل في كتاب العين فلينظر هناك فيمسكون أصحاب الرؤية على ما وقع لهم فيها فإذا رأوه « 1 » مرة أخرى رأوا خلاف ذلك وكذلك في كل رؤية فحاروا كما حار أهل المشاهدة هنا فما ثم الاحيرة في حيرة فلو كان الهو ظاهرا لما صح هذا الخلاف ولو كان الهو ظاهرا ما كان الهو ولكان الأنا ولابد من الهو فلابد من الخلاف ولنا فيه من قصيدة : وإذا أردت تمتعا بوجوده * قسمت ما عندي على الغرماء وعدمت من عيني مكان « 2 » وجوده * فظهوره وقف على اخفاء فصار ظهور الهو الذي هو اللّه إذا لم أكن انا حتى لا يكون هو الهو هو والا لو بقيت انا عند ظهور الهو لكان الأنت والهو لابد منه فيبقى « 3 » لابد منه
--> ( 1 ) صف - رأوا ( 2 ) صف - فكأن ( 3 ) صف - فيفنى .