ابن عربي

كتاب الجلال والجمال 3

رسائل ابن العربي ( دار احياء التراث )

لم يكن « 1 » عليها من خلقها الأكوان أو تكون في تقييد ظرفية السوداء الخرساء وان ثبت لها بها الايمان أو تتحيز بكونها تجلى في العيان أو ينطلق عليها الماضي أو المستقبل أو الآن كما جلت ان تقوم بها الحواس أو يقوم بها الشك والالتباس أو تدرك بالمثال أو القياس أو تتنوع كالأجناس أو يوجد للعالم طلبا للايناس أو يكون ثالث ثلاثة للجلاس كما جلت عن الصاحبة والولد أو يكون لها كفؤا أحدا ويسبق وجودها عدم أو توصف بجارحة اليد والذراع والقدم أو يكون معها غيرها في القدم كما جلت عن الضحك والفرح المعهودين بتوبة العباد وعن الغضب والتعجب المعتاد وعن التحول في الصور كما يكون في البشر فسبحانه من عزيز في كبريائه وعظيم في بهائه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير . اما بعد فان الجلال والجمال مما اعتنى بهما المحققون العالمون باللّه من أهل التصوف وكل واحد منهما « 2 » نطق فيهما بما يرجع إلى حاله وان أكثرهم جعلوا الانس بالجمال مربوطا والهيبة بالجلال مربوطة وليس الامر كما قالوه وهو أيضا كما قالوه بوجه ما وذلك ان الجلال والجمال وصفان للّه تعالى والهيبة والانس وصفان للانسان فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال هابت وانقبضت وإذا شاهدت الجمال انست وانبسطت فجعلوا الجلال للقهر والجمال للرحمة وحكموا في ذلك بما وجدوه في أنفسهم وأريد إن شاء اللّه ان أبين عن هاتين الحقيقتين على قدر ما يساعدني اللّه به في العبارة . فأقول أولا ان الجلال للّه معنى يرجع منه اليه وهو منعنا من المعرفة به تعالى والجمال معنى يرجع منه الينا وهو الذي أعطانا هذه المعرفة التي عندنا به والتنزلات والمشاهدات والأحوال وله فينا أمران الهيبة والانس وذلك لان لهذا الجمال علوا ودنوا فالعلو نسميه جلال الجمال وفيه يتكلم العارفون وهو الذي يتجلى لهم ويتخيلون انهم يتكلمون في الجلال الأول الذي ذكرناه وهذا جلال الجمال قد اقترن معه منا الانس والجمال الذي هو الدنو قد اقترنت معه منا الهيبة فإذا تجلى لنا جلال الجمال انسنا ولولا ذلك لهلكنا فان الجلال والهيبة لا يبقى

--> ( 1 ) كذا ( 2 ) كذا والظاهر « منهم »