ابن عربي
94
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
أمّا بعد حمد اللّه الذي تقدم ، والصلاة التي ختم بها الحمد وتمم . ثم قال : وكنت نويت أن أجعل في هذا الكتاب ما أوضحته تارة وأخفيه أخرى . فأوّله أين يكون من هذه النسخة الإنسانية مقام الأنبياء ، وثانيه مقام الإمام المهدي المنسوب إلى بيت النبي مقام الطيبين ، وأين يكون ختم الأولياء وطائفة الأصفياء إذ الحاجة إلى معرفة المقامين ، والإنسان آكد من كل مضاهاتها الأكوان الحدثان . لكنني خفت نزعة العدوّ الشيطان ، أن يصرخ بي في حضرة السلطان . فيقول على ما لا أنويه ، وأحصل من أجله في بيت التنويه فسترت الشاة بالقززان صيانة لهذا الجسمان . ثم رأيت ما أودع الحق من الأسرار لديه ، وتوكلت في إبرازه عليه . فجعلت هذا الكتاب لمعرفة هذين المقامين ومتى تكلمت على مثل هذا فأنا أذكر العالمين ، ليتبين الأمر للسامع في العالم الكبير الذي يعرفه ويعقله ، ثم أضاهيه بسرّه المودع في الإنسان الذي ينكره ويجهله ، فليس غرضي في كل ما أصنّف في هذا الفن معرفة كل ما ظهر في الكون ، وإنما الغرض تنبيه الغافل على ما وجد في هذا العين الإنساني ، والشخص الآدمي . ثم أبين لك ما يجهله من الشيء الذي تعقله وتعرفه بأولى الإشارات في أصداف العبارات . تنبيه : [ ولما لم يتمكن القاصد للبيت العتيق . . . ] ولما لم يتمكن القاصد للبيت العتيق ، أن يصل إليه حتى يقطع كل فج عميق ، ويترك الإلف والوطن ، ويهجر الخلد والفطن ، ويفارق الأهل والولد ، ويستوحش في سيره من كل أحد ، حتى إذا وصل الميقات ، خرج من رقّ الأوقات ، وتجرد عن مخيطه ، وخرج من مركزه إلى بسيطه ، وأخذ يلبي من دعاه ، بشيء ما كان قبل ذلك وعاه فصعد وقد لاح له على علم الهدى ، ودخل الحرم ولثم الحجر . فإن الطريق الذي سلكت عليه ، والمقام الذي طلبته وانفردت إليه ، هو مقام فردانية الأحد ، ونفي الكثرة والعدد ، لا يصح معه التعريج على كون ، ولا يقبل إلّا ما تحققه عين . ولما لم تعلم بحوادث الكون همتي ، وتشوقت إليه كلمتي ، كان الحق سبحانه وتعالى وجهتي ، ونزهتي ، عن ملاحظة جهتي ، وكنت لا أشهد أينا ، ولا أبصر كونا . ومن ذلك أقول : أقول وروح القدس تنفث في النّفس * بأنّ وجود الحقّ في العدد الخمس ولكنّني أدعى على القرب والنّوى * بلا كيف بالبعل الكريم وبالعرس