ابن عربي
91
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
فأخذني المملوك ، وكان من أحسن المماليك ، فاخترق بي جميع المسالك ، فرأيت ملكا عظيما ، وسلطانا جسيما ، بديع الترتيب والنظم ، رفيع الكيف مدوّن الكم . ما من مسلك فيه إلّا عليه حافظ ، ولا مجلس إلّا وعليه واعظ ، فمن عرف ما أودع في تدبيره الحكيم من العلوم ، دبّر منه حكمته بصفة تقويه ينظر إليها روحانيات النجوم . ومما رأيت في ذلك الجبل صهريجا معلقا في الهواء عليه قبّة عظيمة محكمة البناء ، يسقط من تلك القبة حجارة رخوة بصفة هندسية روحانية في ذلك الصهريج ، وفيه سرب ينتهي إلى صهريج آخر . معلق في الهواء فترسب تلك الحجارة فتثقل . وعندهم نهر يسمى نهر الغريب يجري في طرقات مدبرة في سرب حتى ينتهي إلى ذلك الصهريج ، فإذا امتلأ طفت الحجارة حتى تسامت فم صهريج مصنوع من الكبريت فيعود ذلك الماء حميما فيطبخ تلك الأحجار ، فتكون منها الحكمة وهي التي تسمى الكيمياء . فصل [ ومن ذلك : حضرة موسوية ثم رجعنا نبتغي سماء الكلام . . . ] ومن ذلك : حضرة موسوية ثم رجعنا نبتغي سماء الكلام ، لنقف على ما ورثناه من موسى عليه الصلاة والسلام ، فلما دخلنا عليه ، وخضعنا بين يديه ، سلّمنا وخدمنا ، فأكرمنا واحترمنا ، وجمع لنا بين إقبال الأخوّة والأبوّة ، إثبات الشرف مقام النبي محمد عليه الصلاة والسلام ووفى بمقام النبوة . فقلنا له : ما حظّنا منك لنخبر به عنك ، وأوقفنا على ما لديك ، وما صرف الرحمن فيه النظر إليك . فشال الحجاب ، وانفتح الباب من خلفه جنتان ، ذَواتا أَفْنانٍ ، فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ، فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ، فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ، كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ . فقال : هذا لمن حرم في دنياه الأمان . ثم شال عن يساره الحجاب فانفتح الباب من خلفه جنّتان ، مُدْهامَّتانِ ، فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ ، فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ، حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ، مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ .