ابن عربي

92

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )

فقال : هنا لمن عاش بالأمانة وبقيت الأعيان ، فاطلب الأعيان بالعيان ، فشاهدنا ما أخبر اللّه به في السورة التي يذكر فيها : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرحمن : 1 - 4 ] غير أن جنى الجنتين ليس بدان ، فلما قصرت أيدينا عن تناول شيء منها ، سألته ما السبب الذي قصر بنا عنها . فقال : يا ولي تناولها موقوف على التركيب الثاني ، إن فهمت بتعظيم معرفته الثاني وأنت في التركيب الأول فاصبر حتى تتحول . فإذا سرت روحانيتك في جسمك ، ووسمت وسمك وعرفت سعادتك ، وتقف على سر حجرها وأحجارها ، فهنا يبدو لك شرف الاعتدال ، وصورة التمام والكمال ، ويظهر لعينك استواء المنحرف الميّال ، ويبقى العلم ويذهب الخيال ، وتتضح المعاني ويزول الإشكال ، وينحفظ التركيب باعتدال التركيب ، وتبرز حقيقة الأبد ، ويدوم البقاء بالديمومة الإلهية ، من غير أمد ، وتلوح كيفية التولد ، وماهية التعبد ، والتحاق الأجانب بالأقارب ، وتنوع المراتب باختلاف المذاهب ، وسرور الروح والنفس ، بتحصيل الجمال والأنس ، وتقف على سر إجابة دعوة المضطر ، وإن كان كافرا ، وهدى الطالب وإن كان جائرا ، وتعلم أن اللّه لا يضره معصية عاص ، ولا تنفعه طاعة طائع ، ولم يسم بالمانع ، والجوادّ ليس بالمانع . ثم قال : نادى يا حنّان يا منّان ، يا رؤوف يا قديم الإحسان ، يا من جعل معدن النبوّة أشرف المعادن ، وموطن الأحكام أرفع المواطن ، أنت الذي سوّيت فعدّلت ، وفي أي صورة ما شئت ركّبت ما سويت . يا واهب إذ لا واهب ، ويا مانح المثوبات لأهل المكاسب ، أنت الذي وهبت التوفيق ، وأخذت عبدك ومشيت به على الطريق ، وخلفت فيه الأعمال المرضيّة ، والأقوال الزكية ، وأنطقته بالتوحيد والشهادة ، ويسّرت له أسباب السعادة ، ثم أدخلته دارك ، ومنحته جوارك ، وقلت له : هذا بعملك ولك ما انتهى إليه خاطر أملك ، فناديته كما أمرتني فأجاب ، وقرعت بابه بهذه الكلمات ففتح ورفع الحجاب . فلما تجلى ذلك الجبل الراسي ، وخررت على رأسي ، فانصرف الإدراك إلى القلب فأبصر ، وقال : أين هذا من مقام اللّه أكبر . قال : فأستره فيسترني فيبدو * لذي السّترين آيات جسام فمنها العين والتّحكيم فيها * ومنها الانزعاج والاصطلام أكاسير تردّ الميت حيّا * ويمطر عند رؤيتها الجهام فهذا للقرآن قد فكّرت فيه * وجدت الحقّ حقّا يا غلام