ابن عربي
74
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
وصل وتنبيه لمن له لبّ نبيه اعلم : أن هذه العلوم ليست مما تدرك بالعلل والمنى ، ولا وصلها الرجال بالهوينا والقصور ، بل جدّوا واجتهدوا ولم يفتروا نهارا ، ولا ناموا ليلا ، ولا سحبوا ذيلا . آذانهم مصمتة ، وألسنتهم صامتة ، واعتزال دائم ، وفكر حاضر ملازم ، رداؤهم الحياء والسكينة ، والوقار مئزرهم في حضرة الأسرار ، هذه حالتهم آناء الليل وأطراف النهار . ولا سبيل أن يقف على هذه الإشارات إلّا أربابها . وهي أمانة بيدك ، يا من حصلت بيده . فإن كان من أهلها حصل له مراده ، وإن كان من غير أهلها فليبحث عن أربابها وأهلها ، واللّه تعالى يقول : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] . وكل شيء لم تفهمه ، ولم يبلغ به علمك ، ولم يتصرف فيه عقلك ، فهو أمانة بيدك ، واللّه تعالى يكرمك بنور البصائر ، ويصلح السرائر ، ويصفّي الضمائر ، ويلحق الإماء بالحرائر ، إنه الملئ بذلك والقادر عليه . فصل [ قال السالك : أشّهدني الحق الأنهار ، وقال لي . . . ] قال السالك : أشّهدني الحق الأنهار ، وقال لي : تأمّل وقوعها . فرأيتها تقع في أربعة أبحر . الواحد : يرمى في بحر الأرواح . والثاني يرمى في بحر الخطاب . والنهر الثالث : يرمى في بحر الشكر . والنهر الرابع : يرمى في بحر الحب . ويتفرع من هذه الأنهر الأربعة أربعة . ويتفجر من ذلك البحر المحيط ثم يرجع إليه بعد الامتزاج بهذه الأبحر الأربعة . فقال لي : هذا البحر المحيط . . يجري ، لكن ادعت السواحل أنها لها ، فمن رأى البحر المحيط قبل الأبحر والأنهار ثم الأبحر فذلك صدّيق .