ابن عربي

53

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )

تنبيه وإشارة : اعلم أيها الطالب لإيضاح حقائق الأمور قد جرت عادة أرباب الحقائق وأصحاب الطرائق بالتقديم والتأخير ولا معيب عليهم في ذلك لأنها قاعدة كلية عليها اصطلاح الجمهور لإسبال الستور على البدور ، وذلك من مقتضيات الحكمة فلو ذكروا الأشياء على التوالي لكان ذلك قادحا في كونها حكمة ولكون العلوم السرية لا تكون إلّا هكذا بالتقديم والتأخير وخلط الكلام على غير العالم النحرير ، وفائدة ذلك دوام تعلق الخاطر والآمال بالبحث عن مجهولات الأمور ، والنفوس مجبولة على حب طلب العلوم الخفية لما فيها من الاستعداد والقبول لذلك الأمر الخفي ، فهذا هو السبب الخاص بهذا الفن وغيره ، وحيث انتهى بنا القول إلى هنا فلنرجع إلى دقائق ودقائق أعداد الأحرف المركبة من الدال إلى النون التي بين الدائرتين من الشجرة الأصليّة فنقول وباللّه التوفيق ، إذا أحصيت الأعداد كلها وجمعتها بالجمل الكبير جملة واحدة من الدال إلى النون كما ذكرنا ونبهناك عليه ، فاقسم ذلك العدد وتلك الجملة أربعة أقسام صحيحة . وخذ القسم الواحد وعمر به جدول الدال واستنطقه ينطق لك بأحرف عربية فيها غرائب وعجائب تخبرك بحوادث ووقائع وأسماء رجال إذا ركبتها تركيب الاصطلاح بالاعتدال الطبيعي ، ومن أعجب العجب أنك إذا عالجت الأقسام الثلاثة بما عالجت القسم الأول تظهر لك الأحرف غير ناطقة ، ولو ركبتها إذا أبدلتها بحكم الطبيعة فإنها تنطق وهذه نكتة عجيبة ، وفي عشر العدد إذا قسمته أعشارا ما هو أبلغ من هذا ، وجدوله جدول الياء فاعرف قدر هذه الأصول ولا تفش سرها لغير أهلها ، فإن حروف النسق الذي ذكرناه ما تركبت إلّا على جمل من الأسرار الكونية فالحروف لها كالأصداف للجوهر لا يبلغها إلّا الغواصون المشار إليهم بقوله تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( 43 ) [ العنكبوت : 43 ] . الذين يذوقون حلاوة العلم بأنواع التبيان كما قيل في ذلك : دعني بالتلويح يفهم ذائق * غني عن التصريح للمتعنت لكون المتعنت لا يطلب إلّا التصريح بالأمر والتصريح تارة يكون حراما وتارة يكون كفرا وتارة يكون جائزا ولا يكون حلالا إلّا فيما مدحه الشرع لا غير فمن طلبه في كل المواطن ، كان جاهلا بالأمر ولا كلام لنا معه ، فقد تقرر بهذا البيان أن علوم الأسرار مبنية على الكتم دون الإفشاء في الأصول المقررة في الإنشاء فافهم .