ابن عربي

39

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )

الأفراد واشتغلوا الناس في العموم بما هو الأولى والأحرى في حقهم ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [ الزخرف : 32 ] من التسخير في المصالح الكونية التي فيها حياتهم . وسلطان الجمهور هو الأمل الباعث على حركات الهمم لتعمير المراتب باختلاف المرادات إذا الحكم مختلف ، وإن كانت العين واحدة بالاتفاق فالأصل هنا له السلطة لقوة تصريفه بنور الوهم الحاكم على مطلق مراتب الوجود ، فالأمل يحمل صاحبه على تعمير الرتب ، والوهم يحمله على تحصيل ما يخاف فوته من المرادات إذ لولا الأمل ما أحدث شيء ، ولولا الوهم ما خاف الملكين من هو أعظم منهما في المملكة الإنسانية يسمّى اليقين يقوم في صورة الإنسانية ، فيغلب الأمل والوهم ويطويهما طيا كليا ، وقيامه في الصورة على قاعدة عظيمة هي الإيمان الباعث على الذوق يجر إلى الشوق والشوق يجر إلى العشق والعشق يجر إلى الكشف والكشف يقضي إلى الثبوت والثبوت يفضي إلى الرسوخ والرسوخ هو المشار إليه بقوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ آل عمران : 7 ] ، وأربابه هم أهل التمكين الذين عرفوا الأمر على ما هو عليه وفصلوا مجمله وأجملوا تفصيله ، فهم ناظرون إلى ما وراء الأستار مشاهدون لما بطن وما ظهر من الأسرار قائمون بمطلق المراتب من غير تعطيل ، قد فازوا بأسرار تجليات الأسماء من تمثيل لا يخرجنهم الفزع الأكبر ، ولا يغير بواطنهم الهلع إلّا ظهر لأنهم محل جريان الأقدار ومجالي الظلمات والأنوار وقد عثروا على العين الخضرية فيشربوا وطابوا كلما لاح لهم في الدائرة الخلقية بارق حادثة حملوها على ما كشف لهم من أسرار أسباب حدوثها ، فهم بهذا الحكم في عين البقاء وما سواهم بالتبعية لهم على قدر مراتبهم ، وبهذا يتضح لك سر طروء الحوادث كائنة ما كانت ووقعها في الآيات المختلفة بحكم اختلاف الاقترانات الفلكية كما قررناه سابقا . وحيث انتهى البحث إلى هنا فلنرجع إلى ما نحن بصدده من تبيان الحوادث والوقائع المودوعة في رموز الشجرة التي نحن بصدد بيان أسرارها فنقول وباللّه التوفيق وهو الهادي إلى سبيل خير فريق : اعلم أيدك اللّه بتأييد العصمة أن بعض الفضلاء من المطلعين على الأسرار الحرفية والكنوز الجفرية ألف ورقات لطيفة فيما يتعلق بالحوادث الكليات الكبار ، وأسس تلك الورقات على حروف أبي جاد ، فجاءت مطابقة لحوادث الربع المعمور من البسيطة لأنه جعل لكل قطر من الأقطار قاعدة مبنية على حرف أو حرفين من حروف أبي جاد ، وأعطى لكل قرن ما يليق به من تلك الحروف التسعة والعشرون بحسب طبيعة ذلك المنظر وقابلية أصل ذلك القرن ، فلا