ابن عربي
128
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
وربما لو تتبعنا الوجود وجدنا من ذلك كثير . فليكتف هذا القدر . ولنرجع إلى ما يدل عليه هذا المنزل الذي هو منزل المنازل . ونقول : العروج في هذه المنازل على نوعين : أعني المنازل المعنوية التي لا يصح النزول منها لعالم الأجسام ، لأنها ليست أجساما وأمّا العروج فيها بالميم . فعلى الحقيقة : اللطائف الإنسانية هي المنزلة لهذه المعاني الإلهية ، والأسرار الفهوانية ، وغيرها مما هو لغير الحضرة الفهوانية . وأما العروج بالأجسام فلا يصح إلّا في عالم الأجسام . وذلك مخصوص بمحمد صلى اللّه عليه وسلم اختصاص عناية إلهية . فإنه أسري به صلى اللّه عليه وسلم وبجسمه فاخترق الجود ، الأركان والعناصر ، وذلك بالحركة ، وكان محمولا بالبراق . والحكمة القسرية غير منكورة عندنا وعند المحيلين لهذا الإسراء الجسماني . فإنّا نأخذ الحجر وطبعه النزول . فيرمى به في الهواء فصعوده في الهواء بخلاف طبعه ، وبطبعه . فإن طبعه يقتضي الحركة نحو المركز . فصعوده في الهواء عرضي بالحركة القسرية ، وهي رمي به علوا . وأما قولنا : وبطبعه . فإنه على طبيعة تقبل بها الحركة القسرية . ولو لم يكن ذلك في طبعه لما انفعل لها ، ولا قبلها . وكذلك اختراقه صلى اللّه عليه وسلم الفلك الأثير ، وهو نار . والجسم الإنساني مهيأ مستعد لقبول الإحراق . ثم إن المانع من الإحراق أمور يسلمها الخصم . فتلك الأمور كانت الحجب ، التي خلقها اللّه سبحانه في جسم المسمى به . فلم يكن عنده استعداد الانفعال للحرق ، أو أمر آخر وهو الطريق الذي اخترقه . ليس النار إلّا محمول في جسم لطيف . وذلك الجسم هو المحرق بالنار فسلب عنه النار وجعل ضده كنار إبراهيم عليه السلام وبأي وجه كان ، فليس بمحال . ولنا على ذلك طريقة أخرى من جهة الدليل العقلي . ليس هذا الكتاب موضعه . فإنا إنما نتكلم مع المسلمين لنا أن اللّه فاعل كل شيء . فلا أبالي . ثم اخترق الأفلاك من غير أن يسكنها عن تحريكها كاختراق الماء والهواء إلى أن وصل السدرة المنتهى فترك البراق بها ، وقعد على الرفرف الأزهى . وارتقى في