ابن عربي
129
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
تلك المحفة العظمى إلى المكانة الزلفى . فاخترق عوالم الأنوار إلى أن حار موضع القدمين إلى الكون المحيط بالأكوان وهي الدائرة الكبرى ، والمحيط الأعظم ، وحامل الشكل الأول . كل ذلك بجسمه صلى اللّه عليه وسلم . فعاين محل الاستواء ، وخلع عليه بذلك المكان خلعة البهاء . فلما فارق عالم التركيب والتدبير لم يبق له أنيس من جنسه . فاستوحش من حيث مركبه فنودي بصوت أبي بكر : يا محمد قف . إن ربك رضي . فارتاع لذلك النداء ، واضطرب . فسكن جانبيه بأن تلي عليه عند ذلك : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ الأحزاب : 43 ] . هذا لسان الأحباب . وخطاب الأخلاء والأصحاب . وهذا أول الأبواب المعنوية . من هنا تقع في بحر الإشارات والمعاني ، وهو الإسراء البسيط . فيقع المشاهد بالبصر لا بالجارحة لأعيان الأرواح المهيمة التي لا مدخل لها في عالم الأجسام . فترك الرفرف في الحين وانسلخ من الرسم والاسم وسافر برفرف همته فحطت العين بساحل بحر العماء حيث لا حيث ولا أين . فأدركت ما أدركت من خلف حجاب العزة الأحمى الذي لا يرتفع أبدا . ثم عادت بلا مسافة الشهود علينا . ثم إلى تركيب كونها المتروك بالمستوى مع الرفرف الأزهى . فنزلت به على معراجها الأقدس من عرشه الأعلى إلى كرسيه الأبهى ، إلى السدرة المنتهى . فأشرف على الاستعداد بالعدوة القصوى ، واطلع على السعداء بالعدوة الدنيا . ثم نزل إلى السماوات العلى سماء بعد سماء إلى بيته الأشرف بالحرم المكي الأحمى غير الكعبة العظمى فأصبح في حرمه آمنا . لا أثر عليه من إسرائه . وقد أخذ بأبصار القوم عن إدراكهم نور بهائه . وأخبر القوم بحاله فآمنت طائفة ، وأنكرت طائفة . فنعت لهم بيت المقدس لرفع التلبيس فازدادوا كفرا ولهم عذاب أليم . ثم له صلى اللّه عليه وسلم إسراءات روحانية خلاف هذا الإسراء . ومعارج معنوية غير هذا المعراج . مثل : معراج عائشة . ومنتهى ما انتهت في ذلك الروايات في علمي من طريق ما رويت إلى أربعة وثلاثين معراجا . فجمع له صلى اللّه عليه وسلم من المعراجين الظاهر والباطن ، جسما ومعنى . وأمّا نحن : فالإسراء بنا رؤيا نراها في حال النوم أو الفناء . فإن كانت نوما فهو الرؤيا والمبشرات وإن كانت فناء فهو المكاشفات .